وقد يضيق القارئ بهذا الكلام الكبير وقد يتساءل: وما علاقة كل هذا بروبي والفيديو كليب؟ هل يمكن ربط جسد راقصات الفيديو كليب بالنظام العالمي الجديد؟ والرد هو بالإيجاب ، فكل الأمور مترابطة ليس بشكل مباشر وليس بشكل عضوي ، ولكنها مترابطة . وقد شبه ليوتار الفيلسوف ما بعد الحداثي علاقة الإنسان بالواقع ، بعلاقة الرجل الساذج (أو المشاهد الساذج ) بالمرأة اللعوب: يظن أنه أمسك بها ، ولكنها تفلت منه دائما ، الأمر الذي يعني أن علاقة العقل بالواقع غير قائمة ، ويذهب كل من فريدريك نيتشه ورولان بات وجاك دريدا إلى أن تحطيم المقولات العقلية واللغوية هي عملية ذات طابع جنسي: ذوبان وسيولة . بل إن بعض دعاة ما بعد الحداثة ورفض المرجعيات يرون أن جسد المرأة ، هو مرجعية ذاته ، ولذا فهو تحد للعالم الثابت الذي له مركز ويمكن إدراكه عقليا .
وفي كتابها الشهير ضد التفسير (الذي يؤرخ لظهور ما بعد الحداثة بتاريخ نشره ) قالت سوزان سونتاج: إن أكبر تحد للثوابت والعقل هو الجسد . ولتلاحظ ما يحدث لعقلك وفهمك حينما تشاهد رقصة من النوع الأفقي ، وهذا الجسد لا علاقة له بأي خصوصية تاريخية أو ثقافية أو اجتماعية ، ولذا فهو يقوض الذاكرة الاجتماعية والتاريخية ، وهذا هو جوهر ما بعد الحداثة ، أي أن كل إنسان يعيش داخل ما يسمونه قصته الصغرى ، أي رؤيته للعالم ، أما القصة الكبرى الاجتماعية التاريخية التي تنضوي تحتها كل القصص الصغرى فلا وجود لها ، فتتساقط القيم والمرجعيات وتظهر الراقصة الرأسية والأفقية ، والشركات عابرة القارات التي تود أن يكون الإنسان حزمة نمطية من الرغبات الاقتصادية والجسمانية التي يمكن التنبؤ بسلوكها ، حتى يمكن التحكم في صاحبها وتوظيفه داخل منظومة السوق (والكباريه ) .
وقد ظهرت فضيحة الفيديو كليبات بعد استشهاد الشيخ أحمد ياسين ، فبينما كانت الأمة بأسرها تعبر عن حزنها وعزمها وإصرارها ، كان الرقص الرأسي والأفقي شغال على ودنه ، وكأن جسد الراقصة هو البداية والنهاية ، بداية المتعة ونهاية التاريخ .
إن القنوات الفضائية التي تذيع الفيديو كليبات تصل إلى منازلنا وأحلامنا ، وتعيد صياغة رؤانا وصورتنا للآخرين ولأنفسنا ، ودافعها الوحيد هو الربح المادي ، وليس الاستنارة أو تعميق إدراك الناس لما حولهم ، فهي مشاريع رأسمالية طفيلية تبحث عن الربح الذي أدى إلى التنافس بين المخرجين والمغنين والممولين والذي لم تكن نتيجته الارتقاء بالمستوى الفني والجمالي ، وإنما المزيد من الإسفاف والاغتراب والعري الذي سيتزايد حتما مع الأيام ، ومن يود أن يعرف إلى أين نحن ذاهبون عليه أن يرى محطة MTV وبعض الفيديو كليبات الأمريكية التي تحول الإنسان إلى ما أسميه البروتين الإنساني المحض . عليه أن يعرف أن هناك مقهى في القاهرة (يسمى xEvlution أي التطور في اتجاه غير معلوم ) يقدم مشروبا يسمى Bluelesbian أي المساحقة الزرقاء ، وهي محاولة لتطبيع الشذوذ ، لا تختلف في جوهرها عن محاولة تطبيع الرقص والإثارة الجنسية وهذا أمر أقل ما يوصف به أنه مفزع .
هل من سبيل لوقف هذا التدهور المستمر؟ هنا قد يقول البعض إن في هذا تدخلا في حرية الفكر والفن
والآن السؤال هو: هل من سبيل لوقف هذا التدهور المستمر؟ هنا قد يقول البعض إن في هذا تدخلا في حرية الفكر والفن ، والرد على هذا أن الفيديو كليبات ليست فكرا وليست فنا ولا إبداعا ، وإنما هي شكل من أشكال البورنو الذي يهدف إلى استغلال الإنسان وتحقيق الربح . الفن العظيم يتناول موضوعات شتى من بينها الجنس ، ولكن الجنس (مثل العنف ) لا يقدم في حد ذاته وليس هو الهدف ، وإنما هو عنصر ضمن عناصر إنسانية أخرى ، فالفن العظيم (على عكس البورنو ) لا يهدف إلى الإثارة الجنسية وإنما إلى تعميق فهمنا للنفس البشرية . وإن كان أصحاب الفيديو كليب يطرحونه باعتباره فكرا أو فنا فعليهم الالتزام بشرطين: أولهما ألا يحققوا أي ربح مادي منه ، والآخر أن يثبتوا لنا اقتناعهم الكامل بهذا الفكر بأن يمارسوه في حياتهم الشخصية مع زوجاتهم وأمهاتهم وبناتهم وأبنائهم ، ولا أعتقد أن هناك من سيجد الشجاعة في نفسه أن يفعل ذلك .
والله أعلم .