وجملة القول أن المسلم الذي يقبل الانتظام في سلك جنسية يتبدل أحكامها بأحكام القرآن، فهو ممن يتبدل الكفر بالإيمان فلا يعامل معاملة المسلمين، وإذا وقع من أهل بلد أو قبيلة وجب قتالهم عليه حتى يرجعوا. والمعقول أن هذا لا يقع من مسلم صحيح الإيمان بل لا يجوز عقلاً أن يصدر عنه، ذلك بأن الإيمان القطعي بأن أحكام النكاح والطلاق والإرث وتحريم الربا والزنا المنصوصة في القرآن من عند الله العليم الحكيم يقتضي تفضيلها على كل ما خالفها والعلم بأن التزامها من أسباب رضوان الله وثوابه، وترك شيء منها من أسباب عذابه وسخطه، يقتضي الحرص على الاستمساك بها فعلاً لما أوجب - سبحانه - وتركاً لما حرم، ودليله أن العلم بالمضار والمنافع يقتضي فعل النافع وترك الضار بسائق الفطرة، ويعرف ذلك كل إنسان من نفسه بالوجدان الطبيعي، ومن سائر الناس بالتجربة المطردة في جملة المنافع والمضار. وما يشذ من الجزئيات فله أسباب لا تنقض القاعدة التي بيناها مراراً. ويلتبس الأمر على كثير من الباحثين في بعض هذه الجزئيات فيحسبها ناقضة لقاعدة اقتضاء العلم القطعي أو الراجح للعمل، وجل هذا اللبس يرجع إلى خفاء وجوه الترجيح الطبيعي فيما يتعارض فيه العلم القطعي والظن والوجدان والفكر، مثال ذلك: ترك المريض للدواء النافع، وفعله لضده كتناول الغذاء الضار من أمور الدنيا، وتركه لبعض الواجبات أو اجتراحه لبعض السيئات من أمور الدين، ومن محص المسألة يظهر له أن تارك الدواء لاستبشاع طعمه قاطع بضرره المتعلق بالذوق، وهو من الحسيات اليقينية، وغير قاطع بنفعه، بل هو إما ظان وإما شاك فيه، وكذلك مرتكب المعصية وإن كان تحريمها قطعي كالزنا فإن الشك يعرض له في الوعيد عليه من باب الرجاء في العفو والمغفرة بفضل الله - تعالى - أو بالتكفير عنه بالأعمال الصالحة، ولكن لذة الشهوة التي تعرض له لاشك فيها، فيرجح العلم القطعي بالمنفعة وهي اللذة على الظن أو الشك في العقاب، وإنما يقع هذا الترجيح في الكبائر لمن كان ضعيف الإيمان، وهو ما كان عقيدة لم ترتق بها التربية العملية إلى الوجدان، وإنما الإيمان الكامل المقتضي للعمل في أفراد الجزئيات ما كان فيه الاعتقاد الصحيح مصاحباً للشعور الوجداني بالخوف والرجاء في كل منها، وقد يتخلف في بعض دون بعض، فإن من يعيش بين قوم يجاهرون بمعصية لا ينفر وجدانه منها كمن يعيش بين قوم لا يفعلونها إلا ما قد يقع من بعضهم وراء الأستار.
فهذا ملخص ما يحتج به على استلزام الإيمان الصحيح للعمل بجملة ما ثبت عند المؤمن أنه من الشرع، والأدلة الشرعية عليه كثيرة، وبها جعل جمهور السلف العمل ركناً من أركان الإيمان - وقد اختلف العلماء في معنى الحديث المتفق عليه (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن... الخ) ، بناء على اختلافهم في تعريف الإيمان، فذهب بعضهم إلى أن المنفي هو الإيمان الكامل وهو الوجداني الذي يقتضي العمل فعلاً وتركاً - وقيل إن الإيمان يفارق الزاني حين الزنا، بحيث لو مات في أثنائه مات كافراً، وحقق الغزالي أنه لا يكون عند تلبسه بالزنا مؤمناً لأنه يستلزم سخط الله وعذابه، وهو يصدق بنسيان الوعيد عند ذلك لغلبة الشهوة التي يغيب صاحبها عن إدراك الحسيات أحياناً كما قال الشاعر:
قالت وأبثثتها وجدي فبحت به قد كنت عندي تحب الستر فاستتر
ألست تبصر من حولي؟ فقلت لها غطى هواك وما ألقى على بصري
ويصدق بالشك في وقوع الوعيد بما بيناه آنفاً من رجاء المغفرة أو التكفير. ومثل هذا الشك والتأول لا يمكن أن يجري في جملة المأمور به والمنهي عنه ولا في ترك الأحكام الكثيرة التي لا يغلب صاحبها عليها ثورة شهوة، ولا سورة غضب كأحكام الإرث والنكاح والطلاق وثبوت النسب ونفيه - بل هي مما يتفق الدليل العقلي والطبعي مع الدليل الشرعي على أن من رغب عنها إلى غيرها من أحكام البشر لا يمكن أن يكون مؤمناً، وعندي أن تركها بمثل اختيار الجنسية المسؤول عنها ليس إنشاء للكفر وابتداء للردة بل هو أثر له ناشيء عنه.
وإنما أطلت في هذه المسألة التي سبق لي توضيحها مراراً لما بلغني من توقف بعض علماء تونس في الافتاء بكون التجنس بالجنسية الفرنسية ردة.
جنسية الإسلام وإصلاحه للبشر:
ويحسن ختم هذه الفتوى بالتذكير بما كنا نوهنا به مراراً من الركن الأعظم لإصلاح الإسلام لشؤون البشر وتمهيد طريق السعادة لهم.
وبيان ذلك بالإيجاز أن مثارات شقاء البشر محصورة في اختلافهم في مقومات الاجتماع ومشخصاته من العقائد واللغات والأوطان والأحكام والحكومات والأنساب (أي العناصر والأجناس كما يقول أهل هذا العصر، أو الأصناف كما يعبر علماء المنطق) والطبقات والتقاليد والعادات وحسبك من هذا الأخير أن المختلفين في الأزياء من أبناء الوطن الواحد المتفقين فيما عداه من روابط الاجتماع يتفاضلون فيه حتى يحتقر بعضهم بعضاً...