فهرس الكتاب

الصفحة 1621 من 27364

جاء دين التوحيد والسلام (الإسلام) يرشد الناس كافة إلى المخرج من كل نوع من أنواع هذا الاختلاف المثيرة لشقائهم بالتعادي والتباغض بجمعهم على دين واحد موافق للفطرة البشرية مرق لها بالجمع بين مصالح الروح والجسد (وهو الجنسية الدينية) ولغة واحدة يتخاطبون بها ويتلقون معارفهم وآدابهم بها (وهي الجنسية الاجتماعية الأدبية) وحكم واحد يساوي بينهم على اختلاف مللهم ونحلهم (وهو الجنسية السياسية) فهو يزيل من بينهم التفاضل والتعالي بالأنساب والامتياز بالطبقات، والتعادي باختلاف الأوطان والعادات، وأودع في تعاليمه وأحكامه جواذب تجذبهم إلى ذلك باختيارهم بالتدريج الذي هو سنة الله في كل تغيير يعرض لجماعات البشر {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} وحسبنا هنا من الحجة على ذلك ماهو معلوم بالتواتر من أثره في نشأته الأولى في خير القرون إذ انتشر مع لغته وآدابه وسياسته وأحكامه في العالم القديم من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق، وطالما شرحنا أسباب ذلك من آيات الكتاب والسنة وعمل الخلفاء وعلوم الأئمة.

وقد قلدته أمم الحضارة الكبرى في هذا العصر، فكل منها تبذل القناطر المقنطرة من الذهب لنشر دينها ولغتها وتشريعها وآدابها وأحكامها في جميع أقطار الأرض مؤيدة ذلك بآلات القهر والتدمير البرية والبحرية والجوية، ولم يبلغ تأثيرها في عدة قرون مع سهولة المواصلات وتقارب الأقطار ودقة النظام ما بلغه تأثير الإسلام في أقل من قرن واحد مع فقد هذه الوسائل كلها - ولو وضع نظام للإمامة الكبرى (الخلافة) يكفل أصولها وأحكامها الشرعية لعم الإسلام ولغته العالم كله، ولتحققت به أمنية الحكماء فيما ينشدونه من المدينة الفاضلة قديماً وحديثاً.

أهمل المسلمون هذه الفريضة الكافلة لجميع الفرائض والفضائل، فما زالوا يرجعون القهقرى، حتى بلغ بهم الخزي ما نسمع وما نرى، وصار مستعبدوهم ومستذلوهم يطمعون في تركهم لما بقي من شريعتهم اختياراً، في الوقت الذي آن لهم فيه أن يعرفوا أنفسهم، ويعرفوا قيمة دينهم وشرعهم، وينهضوا به لإصلاح أنفسهم وتلافي سقوط حضارة العصر بإباداة بعض أهلها لبعض، {فاعتبروا يا أولي الأبصار} .

[1] - أنشئت المحاكم الأهلية سنة 1883 هـ، ووضعت لها ستة تقنينات أخذت عن التقنينات الفرنسية، وهي: التقنين المدني، وتقنين المرافعات، والتقنين التجاري، والتقنين البحري، وتقنين العقوبات، وتقنين تحقيق الجنايات، وقد قام قضاة أجانب بوضع هذه القوانين التي ليس لها من اسمها نصيب إذ أنها ليست أهلية وليست وطنية، وقد اختاروا لها هذا الاسم المزور لتمييزها عن المحاكم الأجنبية [مع أنها بقيت أجنبية في قوانينها وفي كثير من قضاتها] والمحاكم الشرعية التي ألغاها نظام جمال عبد الناصر.

[2] - كلام الشيخ محمد عبده لا يدعو إلى الاطمئنان، فلا مجال للمقارنة بين المحاكم التي تطبق شرع الله مهما قيل عن التعصب المذهبي، وبين شريعة فرنسا التي التزمتها المحاكم الأهلية الوطنية.

[3] - غريب هذا القول من رجل مثل رشيد رضا، وهو لا يختلف عن أقوال أصحابنا اليوم الذين يعلّقون أوسع الآمال وأعرضها على البرلمانات، فالمستعمر لا يترك بلداً من البلاد إلا بعد أن يطمئن لمن سيخلفه، ولعل عذر رشيد رضا أن تجربة البرلمانات كانت في بدايتها.

[4] - الجصاص: أحمد بن علي، أبو بكر الرازي، إمام الحنفية في عصره، كان مشهوراً بالزهد، وطلب منه أن يلي القضاء فامتنع، وأعيد عليه الخطاب فلم يفعل.توفي سنة 370 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت