"فالديمقراطي يمكن أن يكون بروتستانتياً أو يهودياً ، ملحداً ، أو مؤمناً ففيما يتعلق بالدين يمكن القول إن الديمقراطية مذهب محايد يتمثل في مجموعة من المعتقدات العلمانية الصرفة . فالمفهومات الديمقراطية لا ترتبط بالبواعث الدينية أو المضادة للدين . وأي نزاع بين الدين والسياسة الديمقراطية يمكن أن يحدث فقط عند إقحام التعاليم الدينية في الشؤون السياسية ... والديمقراطي ـ نظراً لمعتقداته السياسية ـ لا يقبل ولا يرفض أي تعاليم دينية") .
( إن قيام الديمقراطية يرتبط بتوفر شروط أساسية أهمها"العلمانية"فالديمقراطية نظام للحياة قائم على حيادية الدولة تجاه القيم الدينية والأخلاقية انطلاقاً من قاعدة أساسية للبناء الديمقراطي تتمثل في"حرية العقيدة"أي حق الأفراد المطلق في تبني ما يشاؤون من عقائد دون تدخل من أحد ، ودونما تأثير على مسار المجتمع والدولة ، وذلك لاندراج العقيدة ضمن الخيارات الفردية التي لا يجوز للدولة التدخل فيها بحال من الأحوال .
وبناءً عليه ، فالديمقراطية نظام لاديني منبثق عن تصور عن الحياة قائم على فصل الدين عن الدنيا ، ويسعى على بناء النظام السياسي على قاعدتين: قاعدة حيادية الدولة تجاه العقيدة ، وقاعدة سيادة الأمة المترتبة عليها والتي تعني حق الأمة المطلق في تبني نظام الحياة الذي تراه مناسباً) .
( إن القول بأن الأمة هي صاحبة السيادة ومصدر السلطات في النظام الديمقراطي ، يؤكد كون الديمقراطية نظاماً"لادينياً"للحياة قائماُ على حق الأمة في تبني نظام الحياة الذي تختاره أيا كان ، على أساس أنها تمثل المرجعية العليا للأنظمة والقوانين في الدولة . ونظراً لانعدام القواعد العقيدية أو الفكرية التي تعول عليها لمعرفة الحق من الباطل ، فإن الفكر الديمقراطي الغربي لا يحدد ثوابت منطقية عقلانية للغايات الاجتماعية خارج إطار الاختيار الفردي . فالعقلانية هي انعكاس لرغبات الفرد ومصالحة الذاتية ، وليست محددات خارجية"موضوعي"للسلوك الاجتماعي للأفراد ) .
( إن سيادة الشعب التي تعد القاعدة الأساسية لأي نظام حكم ديمقراطي ، تعبر بالضرورة عن إرادة الأغلبية وسيادتها"إذ إنه من غير الممكن أن تجتمع إرادات الأمة كلها على غاية واحدة"وإذا كان بالإمكان حصول ذلك في بعض الأمور فإن تحققها في كل الأمور أمر في غاية الصعوبة
وبنا عليه ، فالسيادة في النظام الديمقراطي هي للأغلبية . يشير"سميث وليندمان"إلى أنه إذا كان لا بد لفئة ما أن تحكم الدولة فلم لا تكون الأغلبية هي تلك الفئة ؟ فالأغلبية لها حق الحكم ، ببساطة لأنها الأكثر عدداً ، فالكثرة هي التي يعتد بها عند الحديث عن حق الحكم المنوط بالأغلبية) .
(ومن ثم ، فإن أي قرار أو قانون لا تقره الأغلبية يعد لا أخلاقياً . كما أن ذلك يعني ـ من ناحية أخرى ـ أن القانون أو القرار يصبح صحيحاً من اللحظة التي تدعم فيها الأغلبية القرار ، ويفقد صحته وأخلاقيته حين لا يكون للأغلبية الحق في الحكم على القانون أو القرار) .
( أضف إلى ذلك أن ربط التشريع بالأغلبية ـ لافتراض العصمة فيها ـ يؤدي إلى تنازل الأفراد للأغلبية المسيطرة ـ حيث يجد المرء نفسه مضطراً للخضوع لقانون آخر اتفقت عليه الأغلبية رغم مناقضة القانون لمعتقداته . وهذا التنازل للأغلبية لا يصلح كمفهوم قابل للتطبيق في المجتمعات المرتكزة على العقيدة ، وذلك لأن المرء الذي يحمل اعتقاداً دينياً راسخاً يستحيل عليه أن يتنازل عنه ، خاصة إن اعتقد صحته ، في سبيل ترجيح كفة الأغلبية . ولذلك يصعب تماماً تطبيق الأسس الديمقراطية في الدول التي يعتنق أهلها ديناً عملياً مسيطراً ، فلو افترضنا أن"مجلس الأمة"قرر بناءً على قاعدة"الأغلبية"إباحة الربا ، أو إسقاط حد الرجم عن الزاني المحصن ، فهل تؤدي موافقة الأغلبية على هذه التشريعات إلى جعلها حقاً واجب التطبيق في الدولة ؟ وماذا لو وقفت الأقلية في وجه القوانين التي ترغب أكثرية المجلس في إصدارها ، أيسقط حقها لمجرد كونها أقلية ؟ إن الادعاء بعصمة الأغلبية وصحة آرائها لا يصلح مقياساً في الدول التي تحمل عقيدة كلية عن الكون والإنسان والحياة ، فالمسلم ملزم باتباع الشرع وليس بقبول رأى الأغلبية . فلو اتفق أعضاء مجلس الأمة أو الشورى على تبني رأي مخالف للشرع ، فأن هذا الرأي ـ بميزان الشرع ـ يعد رأياًَ باطلاَ ، حيث إن العبرة ليست في عدد المصوتين للقانون بل العبرة بانبثاق التشريع من الشرع الإسلامي واتفاقه معه ) .