فهرس الكتاب

الصفحة 22548 من 27364

( إذا نظرنا إلى الديمقراطية على أنها حكم الأغلبية فمن المعروف أنه في أي نظام سياسي لا يمكن اعتبار الأغلبية أغلبية سكان الدول ، وذلك من يقطن أراضي الدولة يعد مواطناً . كما أن عدد أولئك الذين يسمح لهم القانون بالتصويت أقل بكثير من عدد مواطني الدولة . كما أن عدد أولئك الذين يشاركون في التصويت بالفعل دائماً أقل من عدد الذين يسمح لهم بالتصويت ، فقيود المواطنة تحد بشكل ملحوظ من عدد الأغلبية ، فقد كانت المواطنة , وما يرتبط بها من حق الانتخاب في معظم الدول الأوربية ، مرتبط بالرجال أصحاب الأملاك . حتى حين حصلت المرأة على حق الانتخاب في القرن العشرين ، فإنه لا تزال هناك شريحة كبيرة من المواطنين لا تشارك في الانتخابات ، إما بحكم السن أو التعليم أو عدم الاهتمام ، هذا غير الأجانب الذين لا تسمح لهم الأنظمة بالمشاركة في الانتخابات .

كل ذلك يعني أن السيطرة على شئون الدولة تصبح بيد"الأقلية"وليست"الأغلبية"التي تفترضها النظرية الديمقراطية . ففي الأنظمة الغربية لا يحكم الشعب كما تفترض النظرية ، ولكن الذي يحكم هي تلك الأقلية التي تسمى"النخبة". ومن ثم ، ففي الغرب نخبة ديمقراطية تحكم بسبب ما يتوفر لها من قدرة على التحكم في الموارد الطبيعية ومصادر الثروة والقوة ، وبحكم بعض المزيا الموروثة وغيرها من العوامل . ويؤدي التوزيع غير المتساوي للموارد إلى تحكم فئات اجتماعية معينة في الموارد وإلى السعي ـ عن طريق المؤسسات الاجتماعية . إلى ترسيخ مصالحها ومزاياها الاجتماعية لتصبح جزءاً لا يتجزأ من النظام حتى يألفها الناس ، ويعتقدون مع مرور الأيام بحق النخبة المسيطرة في الحكم .

ولذلك ، إذا أردنا تطبيق المعنى الحرفي للديمقراطية الذي هو حكم الشعب ، فإنه لن يكون هناك مكان للنخب في النظام ، ولكن ذلك يعني من ناحية أخرى أنه لن تكون هناك ديمقراطية في أي مكان في العالم) .

( إن ربط السيادة بالأمة في النظام الديمقراطي ـ وهو ما يميزه عن الأنظمة الاستبدادية التي تجعل السيادة في يد الحاكم ـ يجعل للأمة حق تبني نظام الحياة السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، مما يجعل النظام الديمقراطي يقف على طرفي نقيض مع النظام الإسلامي القائم على سيادة الشرع الإسلامي في واقع الحياة . فالشرع ـ وليس الشعب ـ هو المرجع الأعلى في النظام السياسي الإسلامي ، ومن ثم فجعل الشعب المرجع الأعلى لأنظمة الحياة يعد تعطيلاً صريحاً لسيادة الشرع وهيمنة أحكام الإسلام في الدول ، مما يؤدي إلى ظهور الكفر البواح ، وتحول الدولة إلى دار الكفر .

وقد تواترت الأدلة الشرعية المؤكدة أن السيادة للشرع وحده في الدولة الإسلامية . قال - تعالى -: (( فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق ) )وقال - تعالى -: (( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ) )) .

( إن النظام الديمقراطي قائم على تبني نظرة محددة للظاهرة والممارسة السياسية وللعلاقات الاجتماعية ـ تنطلق من العلمانية كقاعدة للحياة السياسية تتمثل في بعدها السياسي في أمرين:

1 -في إقرار سيادة الأمة وحقها في تبني نظام الحياة الذي تراه مناسباً لها .

2 -وفي حيادية الدولة تجاه القيم الفردية ، أو ما يسمى بالأخلاق الخاصة . وذلك يعنى أن المجال الخاص للأفراد لا بد أن يبقى بمنأى عن التدخل الخارجي من قبل أي سلطة أخرى ، وذلك من أجل الحفاظ على الحرية الفردية التي تمثل قاعدة البناء الاجتماعي في الدولة . ولقد أدى التزام الديمقراطية ـ الليبرالية بحيادية الدولة تجاه الأخلاق والقيم إلى المناداة بتبني التعددية السياسية والفكرية في المجتمع من منطلق حرية الأفراد.

لقد كان هدف الفكر الليبرالي الديمقراطي من إعلان حيادية الدولة تجاه الأخلاق الخاصة وإقرار التعددية هو التصدي لمفهوم الدولة"الغائية"أو الحركات السياسية الغائية ، من المنطلق الديمقراطي القائم على أن وجود منظور أخلاقي واحد للقيم يتعارض مع الفكر التعددي . ومن ثم ، فالدولة الديمقراطية ملزمة بعدم فرض أو السماح بفرض منظور قيمي مشترك للجماعة ؛ وذلك لأن تبني منظورأحادي للقيم ينافي الديمقراطية) .

( فالدولة الديمقراطية لا علاقة لها"بهوية الإنسان وإيمانه وكفره ونوعية القيم التي يحملها ، فالكل سواء: عالم الدين والبغي ، والمسلم النصراني !!"

يقول حيدر علي في معرض نقده للديمقراطية الإجرائية التي يرى أن الإسلاميين يقبلونها مع رفضهم للفلسفة التي تقوم عليها كنظام للحياة:"فالديمقراطية توجد ضمن شروط ومكونات معينة ، وقد تكون الإطار الذي تتفاعل فيه عمليات مثل التحديث ، وأفكار مثل الليبرالية والعلمانية"ومن ثم فاختزال الديمقراطية في انتخابات ومشاركة يقدم نظرة ناقصة لها ، وذلك لأن السؤال الذي يطرح نفسه عند بحث ظاهرة ما يسمى"الديمقراطية الإسلامية"التي ينادي بها بعضهم هو: هل الاختلاف أو التعارض حول ما يؤخذ وما يترك جوهري يؤثر على جوهرها أو أنه اختلاف ثانوي ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت