التطرف لا ينحصر بالجانب الديني، فهناك أشكال مختلفة من التطرف السياسي والثقافي والاجتماعي. وإذا كان التطرف الديني في الوقت الراهن هو الأبرز في المجتمعات العربية والإسلامية كما في المجتمعات الغربية، فإن تطرفاً يسارياً ساد المنطقة العربية في فترة الستينيّات وبداية السبعينيّات، ولم يكن التطرف القومي أحسن حالاً. وغالباً ما كان أصحاب التوجهات الدينية في تلك الفترات يقعون ضحية ذلك التطرف اليساري أو القومي حين وصل اليساريون والقوميون إلى السلطة، فتعرّضت الجماعات الدينية للقمع ومصادرة الحريات والاعتقال، وفي بعض الأحيان إلى التصفية والإعدام، بعد أن صودر حقها في التعبير، بل في الوجود، ووُجهت لها الاتهامات بالرجعية والعمالة للاستعمار.
المسألة إذن ليست حكراً على تطرف ديني، فكما أن هناك تكفيراً دينياً، هناك أيضا تكفير سياسي وعلماني. ومثلما أن هناك توجهات إسلامية متطرفة ترفض الاعتراف بالآخرين وتعمل على إلغائهم، هناك في المقابل علمانية متطرفة تستخف بالدين وتتجرّأ على الثوابت الدينية، وترفض محاورة من يخالفونها الرأي، وتصنّفهم على أنهم خارجون على الصف الوطني، وتمارس بحقهم سياسة القمع والاستئصال.
وقد كان المفكر العربي محمد عابد الجابري محقاً حين أكّد أنه"في جميع الأيديولوجيات هناك دوماً موقع ما للتطرف والغلوّ". مضيفاً:"سبق لي أن قلت: إنه لو كان الزمان زمان الماركسية لكان كثير من الشباب الذين يستقطبهم اليوم التطرف الديني أو الإثني يعملون في صفوف التطرف الماركسي، وهذا سبق أن حدث".
كما أن التطرف ليس حكراً على المجتمعات العربية والإسلامية، فكل المجتمعات عانت أو تعاني من أشكال مختلفة من التطرف الديني والسياسي، سواء في الفكر والمعتقد، أو في الممارسة والسلوك. لكن لأسباب مقصودة، وبفعل ضعف العالم العربي والإسلامي، وسيطرة الآخرين على وسائل الإعلام وأدوات التوجيه القادرة على تشكيل القناعات، تم التركيز على ما يُسمّى"بالتطرف الإسلامي"، في محاولة لإلصاق تهمة الإرهاب بالمجتمعات الإسلامية وبالإسلام ذاته.
وما هو مؤسف أن الإعلام العالمي يسلط الأضواء على كل صغيرة وكبيرة من الممارسات المتشدّدة والمتطرفة في العالم العربي والإسلامي، وفي ذات الوقت يُغضّ الطرف عن الإرهاب والتطرف الديني والسياسي الذي يجتاح المجتمع الإسرائيلي، وأدى إلى سيطرة المتطرفين الإسرائيليين على أغلبية مقاعد الكنيست الإسرائيلي، وكان اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين أحد تعبيراته السلوكية. كذلك يتم تجاهل كثير من مظاهر التطرف التي بدأت تجتاح عدداً من الدول الغربية التي نجحت فيها أفكار وأحزاب سياسية متطرفة في زيادة رقعة حضورها الشعبي وتأثيرها السياسي، بل إن المحافظين الجدد الذين ينطلقون من قناعات ونبوءات دينية متطرفة باتوا يسيطرون على السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان لأفكار اليمين المحافظ ومؤيديه دور حاسم في التجديد للرئيس بوش لولاية انتخابية ثانية.
أسباب تنامي ظاهرة التطرف في المجتمعات العربية
تنشأ ظاهرة التطرف في العادة نتيجة جملة عوامل متشابكة، وليس نتيجة عامل واحد. وقد لوحظ عند تشخيص كثير من الغربيين لظاهرة التطرف في المجتمعات العربية والإسلامية، مبالغة دراساتهم في التركيز على أربعة عوامل أساسية من وجهة نظرهم هي:
1-الفقر.
2-الجهل والأميّة.
3-مناهج التعليم"المتشدّدة"التي تؤدي إلى تخريج أفراد مشبعين بأفكار متطرفة خاصة ما يتعلق بالدراسات الدينية.
4-وجود أنظمة حكم متطرفة تمارس العنف وترعى بعض الجماعات المتطرفة.
ومن أجل فهم الظاهرة وتشخيصها بصورة صحيحة أكثر عمقاً، يمكن تقسيم الدوافع التي تؤدي إلى تطور مظاهر التطرف الفكري والسلوكي ونموها في المجتمعات العربية والإسلامية إلى قسمين:
-عوامل ذاتية من داخل هذه المجتمعات.
-وعوامل خارجية.
العوامل الداخلية
أولاً: عوامل دينية، وفي مقدمتها:
1-ضعف الوعي، والفهم الخاطئ لبعض المفاهيم الشرعية، مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وآليات تنفيذ ذلك المسموح والممنوع في التطبيق.
2-ضعف مؤسسات التوجيه الديني الرسمية في الدول العربية، وعدم استقلالية هذه المؤسسات، وتبعيتها المطلقة للسلطة السياسية، وخضوعها الكامل لمواقفها وتوجهاتها، بل ومبالغتها في الدفاع عن كافة سياسات السلطة وتوجهاتها. ما أفقدها ثقة المواطن، وجعلها غير مؤثرة في التوجيه والتوعية والترشيد.
3-القناعة لدى قطاعات شعبية وسياسية بأن كثيراً من الحكومات العربية بعيدة عن التزام أحكام الشريعة الإسلامية، وأنها تعمل على تغييب أحكام الدين عن واقع الحياة، وهو ما أوجد دافعاً لدى البعض للتسرع في إصدار أحكام بتكفير هذه الحكومات، وإلى اتخاذ مواقف متشددة إزاء العمل السياسي والممارسة السياسية.