أقوال وأفعال فيها تعصب عرقي، بل حتى على تطهير نفسه من أي عقيدة أو اقتناع بأن الناس يختلفون بناء على أعراقهم، فلا فضل لعائلة عل عائلة، ولا قبيلة على قبيلة، ولا شعب على شعب، ولا أمة على أمة، ولا لون على لون، وعليه أن يحارب المفاهيم العنصرية وأصحاب التعصب لأنهم أحد أسباب ضعف المسلمين، وعن جابر رضي الله عنه، قال: كنا مع صلى الله عليه وسلم فكسع (1) رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري يا للمهاجرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بال دعوى الجاهلية؟"قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال: دعوها فإنها منتنة" (2) .
ومن بديهيات الواقع والعقول أنك لو قلت لرجل كان جده مجرماً عليك أن تتحمل ما فعله جدك، لقال بانه مسئول عن أعماله لا عن أعمال جده وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى وهذا الكلام حق، ولكن البعض يريد أن يبني تعصبه على ما فعله الآباء والأجداد من المآثر والأعمال الطيبة ويتهرب من ذكر سلبياتهم وسيئاتهم. قال تعالى: ?تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون? 0سورة البقرة: 134)، ولو كان النسب العرقي سببا كافياً للاستعلاء والتعصب العرقي لكان أولى أن يفتخر به بنو إسرائيل لأنهم بنو يعقوب عليه السلام، وفيهم كثير من الأنبياء، ولم ينفعهم ذلك بشيء، ولم ينفع النسب بني هاشم. قال تعالى ?فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جنهم خالدون? 0 (سورة المؤمنون) كما ثبت عن الرسو صلى الله عليه وسلم أنه قال:"يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني"
ـــــــــــــــــ
(1) أي ضرب دبره وعجيزته بيد أو رجل أو سيف أو غيره.
(2) حديث رقم 1811 مختصر صحيح مسلم للألباني.
عبدالمطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإنني لا أملك لكم من الله شيئا" (1) وعموما فتاريخ كل القبائل والشعوب فيها خير وشر، ومن قرأ التاريخ عرف ذلك في مواقف وحكايات وانتصارات وهزائم، وفيه صفحات بيضاء، وصفحات سوداء، قال تعالى: ?وتلك الأيام نداولها بين الناس? فلا داعي لأن نجعل من أنفسنا أولياء وغيرنا شياطين، ولنأخذ من التاريخ درساً وعبراً لا مبررات وهمية وكاذبة للتعصب العرقي، ونقول للمتعصبين اقرأوا التاريخ، وإذا لم تقتنعوا فابحثوا عمن يقرأه لكم بموضوعية، ومن بديهيات التاريخ أن النسب فيه دائماً صفحات مجهولة، وروايات متناقضة وضعيفة، وأحيانا مزورة خاصة وأننا نتكلم عن صفحات تزيد عن ألفي سنة في حين أننا نعترف ونعرف أننا نجهل صفحات تاريخنا المعاصر مع ما نجده من مذكرات كثيرة يكتبها بعض من شاركوا بالقرارت الكبيرة، هذا إضافة إلى وجود مؤرخين وسياسيين يتابعون الأحداث بصورة يومية، قال الأستاذ حمد الجاسر:"وحسبنا الاكتفاء بالقول بأنه قل أن توجد قبيلة صريحة النسب لا يوجد من المطاعن في نسبها ما يدركه كل معني بدراسة أنساب القبائل من قبيلة قريش إلى دونها من القبائل" (2) . ومعروف أن هناك اختلاط بين القبائل والشعوب والأمم نتيجة هجرات وصراعات ونسب وتجارة ومصالح وعقائد وقوة وضعف وغنى وفقر وهناك فترات زمنية مجهولة وهناك قبائل وشعوب اندمجت مع غيرها فغابت وضاعت بعض الأسماء المشهورة تاريخيا (3) والحقيقة الكبرى في الانتماء العرقي أنه لا توجد ميزة وأفضلية"
عرقية لأي عرق بشري فكل البشر هم بنو آدم وحواء وأكرمهم عند الله أتقاهم وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى رجلاً يقول: أنا ابن بطحاء مكة
ـــــــــــــــــــــ
(1) حديث رقم 98 من مختصر صحيح مسلم للألباني.
(2) حمد الجاسر، مجلة العرب - السنة الثالثة - ربيع الأول 1389هـ.
(3) راجع كتاب الألف سنة الغامضة من تاريخ نجد للأستاذ عبدالرحمن بن زيد السويداء.
فوقف عليه فقال: إن كان لك دين فلك شرف وإن كان لك عقل فلك مروءة وإن كان لك علم فلك شرف وإلا فأنت والحمار سواء (1) . وذكر الفخر بالأنساب عند إسماعيل بن أحمد أمير خراسان وما وراء النهر فقال: إنما الفخر بالأعمال وينبغي أن يكون الإنسان عصامياً لا عظامياً. وقال الشاعر:
إن الفتى من يقول ها أنذا ليس الفتي من يقول كان أبي
ومن غرائب التعصب العرقي أن كثيرا من الأمم والشعوب والقبائل تعتبر نفسها أرقى وأفضل البشر، وهذا ينطبق حتى على قبائل افريقية متخلفة عقائدياً وعلمياً، فالبعض يصنع الأوهام، ويعيش فيها مع أنه لا دور له إطلاقاً في اختيار عائلته أو شعبه أو أمته.
ومن الطرائف التي تروى في هذا الموضوع: قال رجل انكليزي لرجل فرنسي: ولدت انجليزيا، وأعيش انجليزيا، وأتمنى أن أموت انجليزيا. فقال الفرنسي: هذا جميل، ولكن أليس لديك طموح؟! وقال رجل لآخر أنا ابن فلان ابن فلان... إلى أن أوصل نسبه إلى آدم عليه السلام فقال الآخر: كل هذا حتى تثبت لنا أنك تنتمي إلى بني آدم!!