فهرس الكتاب
ومن سلبيات التعصب العرقي هو أنه جعل أصحابه يهتمون فقط بدوائرهم العرقية عل مستوى الأسرة أو القبيلة أو الوطن، فيتجاهلون آلام الآخرين ومصائبهم، وأعداؤنا يريدون منا ذلك حتى ينفردوا بنا، في حين أن واجبنا الشرعي أن ننصر المظلوم خاصة إذا كان غريباً أو فقيراً، وأن نردع الظلم خاصة إذا جاء من قبائلنا وشعوبنا، ولكن المتعصبين يعتبرون هذا نوعاً من المثالية، والغباء السياسي، أو حتى نوعاً من الخيانة للقبيلة والوطن في حين أنه انتصار حقيقي لأنه ردع عن الظلم.
وما ذكرناه أعلاه هو نماذج وألوان من التعصب العرقي الذي لا نحصد منه غير الكراهية، والتفرق، والاختلاف، والتكبر، والغرور، والكسل، وتزوير الحقائق، والحسد، وتحطيم الكفاءات والمعنويات... الخ فكيف تكون فيه مصالحنا كافرادا وقبائل أو شعوب أو أمة؟!! إن التمسك به يعني أننا ضد إسلامنا وضد أوطاننا، وما نراه من مصالح هي مصالح وهمية وسراب وأوهام.
وربط أحد علماء الإسلام بين التعصب العرقي لعائلة أو قبيلة أو شعب أو أمة وبين معصية إبليس عندما رفض السجود لآدم عليه السلام حيث قال إبليس: ?أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين? (سورة الأعراف: 12) . أي استند إلى الأصل العرقي، فهو رفض العدل الإلهي، ورأى أنه ظُلم دون وجود منطق حكيم، كأن يقول أنا أقوى، أو أعلم من آدم. ويفرق التعصب بين بني آدم، وبين المسلمين، ليس بناء على العقيدة، أو الكفاءة، أو الأخلاق، بل بناء على الأصل العرقي، هذا الأصل الذي يعلم جميع العقلاء أنه لا يعني أي شيء إطلاقا في ميزان الحقيقة، فكلنا بنو آدم، وميزان التفاضل الشرعي الذي وضعه الله سبحانه وتعالى هو ?إن أكرمكم عند الله أتقاكم?، ولكن أصحاب إبليس يرفضون هذا الميزان، ويرفضون القاعدة الإسلامية التي تقول: (لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى) ولنثق كل الثقة بأنه كلما ضعف إيمان الإنسان، وتلاشي، زاد تعصبه، وكذلك كلما زاد جهله زاد تعصبه، وينطبق هذا على المثقف والجاهل، ويجهل كثير من العقلاء والمتعصبين أن محاربة التعصب هي أحد التغييرات الجذرية التي أحدثها الإسلام في القبائل العربية، فقد نقلهم من التعصب العرقي إلى الانتماء للعقائد، والمباديء والعدل، ومن (انصر أخاك ظالما) إلى اردعه عن الظلم، وعلمهم أن العدل هو الأساس، (ولو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) مع أنها من ناحية عرقية أقرب الناس إلى الرسو صلى الله عليه وسلم ، ولكن أصحاب التعصب العرقي يرفضون ذلك، فإذا ارتكب فرد من خارج قبائلهم أو شعوبهم جريمة نظروا إليه بتعصب وقسوة، وعاقبوه بأكثر مما يستحق، أما إذا كان المجرم منهم سامحوه، أو خففوا العقوبة، فقوانين العدل تتأثر عندهم
بالانتماء العرقي وهذا ظلم ولهذا علينا ألا نستغرب عندما نجدهم يدفعون عن أصحاب الاختلاسات، والحروب الظالمة، أو عن عادات ومفاهيم اجتماعية منحرفة. ولا يعارض الإسلام الإنتماء لقبيلة، أو شعب، أو أمة، ولكنه ضد التعصب والظلم، وقاعدة أن الأقربين أولى بالمعروف ليس من معانيها أن نسكت عن انحرافات الأقربين، قال رسول ا صلى الله عليه وسلم"ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية"رواه ابن داود. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"لينتهين أقوام يفخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحم جهنم، أو يكونن أهون على الله من الجُعل الذي يدهده الخرء بأنفه، إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية، إنما هو مؤمن تقى، وفاجر شقي، الناس كلهم بنو آدم، وآدم من تراب"رواه الترمذي من حديث أبي هريرة، وقال أبو ذر إني ساببت رجلاً فعيرته بأمه فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم"يا أبا ذر أعيرته بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية"وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر"أخرجه مسلم، وقال الغزالي رحمه الله"التكبر بالحسب والنسب، فالذي له نسب شريف يستحقر من ليس له ذلك النسب، وإن كان أرفع منه عملاً وعلماً، وقد يتكبر بعضهم فيأنف من مخالطة الناس ومجالستهم وقد يجري على لسانه التفاخر به، فيقول لغيره من أنت؟ ومن أبوك؟ فأنا فلان بن فلان، ومع مثلي تتكلم" (1) ؟!
وفي مواقف الرسو صلى الله عليه وسلم من قريش والعرب قدوة لنا، فقد كان عدواً لعمه أبي لهب، وحارب قريشاً وهي قبيلته، ولكن كثيراً من المسلمين اليوم ضيعوا دينهم، فهم يرون الظلم أمامهم، ولديهم القدرة على معارضته، ولا يفعلون شيئاً ولهذا ضاعوا وضاعت الأمة، قال تعالى: ?وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون? (سورة النحل) ويسخر اليوم بعض المسلمين من بعضهم نتيجة أصولهم العرقية، أو طولهم أو قصرهم، بكلمات شريرة، وألفاظ قبيحة، تمحو الحسنات، وهذه ذنوب لو مزجت بماء البحر لأفسدته لما فيها من تعصب وكبر وغرور وإتهام لله سبحانه وتعالي بأنه غير عادل في المساواة بين البشر في خلقهم، فالناس لم يخلقوا أعراقهم أو أشكالهم، فليحذر كل مسلم حريص على دينه ليس فقط من
ــــــــــــــــــــــ
(1) ص 368 - من كتاب موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين.