فكلمه أسامة. فقال رسول ا صلى الله عليه وسلم (أتشفع في حد من حدود الله؟!)
ثم قام فاختطب، فقال: (أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) هذا لفظ مسلم، وهو فيه برقم:"1688"و هو في صحيح البخاري برقم:"3288"
ويدخل في ذلك كل حكم من أحكام الإسلام، سواء تعلق بالأموال، أو بالأنفس، أو بالأعراض، أو بغير ذلك.
وبالعدل والمساواة تطمئن نفوس الرعية وتستقر أحوالهم، ويأمنون على دمائهم وأموالهم وأعراضهم.
ويقوى نشاطهم في عمارة وطنهم، بالتجارة والزراعة والصناعة، وتتوطد العلاقات بينهم وبين ولاة أمرهم، فيثق بعضهم في بعض، ولا يخافون من ظلم ظالم ولا غدر غادر، مهما عظمت منازلهم الاجتماعية، وعلت مراتبهم السياسية أو سفلت، لعلمهم بوجوب ذلك لبعضهم على بعض، وبأن سوط عدل الحاكم مرفوع لإنصاف المظلوم وردع الظالم.
وبذلك يحصل الوئام بين الرعاة والحكام، وتسلم الصدور من الضغائن والأحقاد، ويتم التعاون على جلب المصالح ودفع الفساد.
بخلاف الحاكم الجائر الذي يتخذ سلطته وسيلة للاعتداء على حقوق الرعايا، ويعين ذوي الحيف من بطانته، على سلب الناس حقوقهم، فإن الشعب الذي يبتلى بمثل هذا الحاكم، يعيش في ذل وهوان دائم، ينام مرعوبا بالكوابيس، ويصحو مشفقا على نفسه من هجمة الظلمة الأباليس.
يحجم الناس في ولايته عن الاقتناء والكسب، خشية على حقوقهم من النهب والسلب، فتضعف في البلاد الصناعة، ويزهد الناس في مزاولة التجارة ومهنة الزراعة.
وهنا تنطوي قلوب الناس على الغل و الأحقاد، ويعم البلاد الإجرام والمصائب الشداد، ويصبح الأمن مفقودا بين العباد، وجِران الخوف على طولها وعرضها في امتداد.
تقطع فيها السبل و الطرقات، وتسلب فيها الأموال وتنتهك الأعراض الشريفات، وتسفك الدماء وتزهق النفوس المحرمات، ويتمنى الأحياء أن يكونوا في القبور مع الأموات.
ولهذا تواترت نصوص القرآن والسنة، في النهي عن الظلم والتحذير منه، وبيان عواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة.
وليس المقام هنا مقام سرد لتلك النصوص كلها، فجميع عقلاء بني آدم يعلمون أن العدل خير مطلوب، وأن الظلم معدود في أعظم الذنوب، وإن تعاطى بعضهم الظلم وترك العدل.
قال تعالى: (( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ) ) [هود:102]
وفي حديث أبي موسى رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) قال ثم قرأ: (( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ) ) [الحديث في صحيح البخاري برقم: 4409]
وفي حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا) [الحديث في صحيح مسلم برقم: 2577]
وفي حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: ( الظلم ظلمات يوم القيامة) [صحيح البخاري برقم: 2315وهو في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله برقم: 2578]
جعل الإسلام أساسا للولاء بين الحاكم والمحكوم
إن الولاء القوي المتين القابل للدوام، بين الحاكم ورعيته، إنما هو ولاء الإسلام، فهو العروة الوثقى التي لا تقبل الانفصام، والحصن القوي الذي يمتنع على الاقتحام، والبناء الراسي الذي يستعصي على المعتدين من ذوي الإجرام.
إن المؤمنين الذين يطيعون الله ورسوله، ويعبدونه حق عبادته، هم أهل الولاء الدائم، وقد قرن تعالى ولاءهم بولائه وولاء رسوله، إشارة إلى قوة هذا الولاء ومتانته، وأن لأهل هذا الرابط الغلبة على أعدائهم، كما قال تعالى:
(( إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون(55) ومن يتول الله ورسوله والذين ءامنوا فإن حزب الله هم الغالبون )) [المائدة:56]
ومن صفاتهم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهما عبارة عن قيامهم بحق الله وحق عباده، ومن صفاتهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو عبارة عن حرصهم على حفظ نظام الأمة وصيانته من التفكك والانحلال، وهؤلاء هم الذين يستحقون رحمة الله في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى:
(( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ) ) [التوبة:71]
هذا الولاء هو الذي يدوم ولو تباعدت بين أهله الأنساب، وانقطع بينهم ما اتصل بين غيرهم من الأسباب، وفي تاريخ المسلمين المعتصمين بحبل الله ما يقطع حجة كل مرتاب، وقد بين ذلك في كتابه المبين:
(( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم ءاياته لعلكم تهتدون ) ) [آل عمران:103]
وكل ولاء غير الإسلام قابل للنقض بعد الإبرام، وللزوال بعد التمام.