وإن في قصة سحرة فرعون الذين دانوا له بالولاء، بما يمنحهم من الأجر والتقريب إليه، وتغير ولائهم له- مع قوة ملكه، وعظيم ترغيبه، وشدة ترهيبه-إلى ولائهم لعدوه موسى عليه السلام، الذي لا يملك شيئا غير إيمانه بربه وتوكله عليه، إن في تغيير ولائهم لفرعون وزهدهم في ماله وقربه، وعدم المبالاة بتهديده، إلى الولاء لله ولرسوله موسى عليه السلام، لعبرة للملوك والرؤساء الذين يجعلون أساس الولاء بينهم وبين أعوانهم غير الإسلام.
ويكفي أن نقرأ هذه الآيات الكريمة بدون شرح ولا تعليق، فهي واضحة بينة وضوح الشمس في كبد السماء، قال تعال:
(( وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين(113) قال نعم وإنكم لمن المقربين (114) قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين (115) قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم (116) وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون (117) فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون (118) فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين (119) وألقي السحرة ساجدين (120) قالوا ءامنا برب العالمين (121) رب موسى وهارون (122) قال فرعون ءامنتم به قبل أن ءاذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون (123) لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين (124) قالوا إنا إلى ربنا منقلبون (125) وما تنقم منا إلا أن ءامنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين (126) [الأعراف]
(( فألقي السحرة سجدا قالوا ءامنا برب هارون وموسى(70) قال ءامنتم له قبل أن ءاذن لكم، إنه لكبيركم الذي علمكم السحر، فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف، ولأصلبنكم في جذوع النخل، ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى (71) قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا (72) [طه]
والذي يقرأ التاريخ يجد فيه البراهين الساطعة والحجج القاطعة، على أن الولاء على غير الإسلام، من مال أو منصب أو جاه، لا يعصم الحكام من خيانة من يوالونهم على ذلك وخروجهم عليهم.
فتجد الابن يخرج على أبيه، والأخ يقتل أخاه، والقريب يستولي على ملك قريبه، وكبار رجاله يقلبون نظام حكمه ويسفكون دمه أو يهينونه في غياهب السجون، فيصبح مجرما بعد أن كان مطاعا محترما...
والسبب في ذلك أن الولاء على المال أو المنصب أو الجاه أو النسب، قابل للتغيير والتبديل، فقد يجد من يوالي الحاكم على المال، من يعطيه مالا أكثر، ويجد من يواليه على المنصب من يمنحه منصبا أعلى، ويجد من يواليه على النسب، من هو أقرب إليه نسبا أو أكثر مصلحة، وقد يواليه بسبب ما يملك من قوة، فإذا صار أقوى منه غدر به، فيغير ولاءه بتغير مصلحته في ذلك كله.
أما الولاء بين الحاكم ورعيته على الإسلام، فالغالب أنه لا يتغير، لأنه مرتبط بالولاء لله ولرسوله وللمؤمنين: (( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ) )وهو ولاء باق دائم، يعبد المسلم به ربه: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) )
فإذا حصل تغيير في هذا الولاء، فلا بد أن يكون سببه ضعف الإيمان المانع من التغيير، من قبل الحاكم أو المحكوم أو من قبلهما معا.
لهذا يجب أن يتخذ الحكام كل وسيلة مشروعة لجعل الولاء بينهم وبين شعوبهم الإسلام، ليقوى بينهم الولاء، ويتم بينهم الوئام والإخاء، ويأمن بعضهم بعضا، ولا يفقدوا الثقة فيما بينهم، لأن فقد الثقة بين الحكام ورعاياهم، يجعل كلا منهم يتوجس خيفة من الآخر، ويتربص به الغدر و الدوائر.
ولا يغتر الحاكم بما قد يظهره بعض رعيته من الولاء، وما يطلقونه عليه من المدح والثناء، فكثيرٌ هم الذين يمدحون الحاكم شعرا ونثرا، ويثنون عليه بألسنتهم مساء وفجرا، وهم يلعنونه بقلوبهم إذا غابت رقابته سرا وجهرا.
ولقد أجاد ابن القيم رحمه الله في وصف من يظهرون للإنسان حبهم له، وهم في الحقيقة أعداء، ويظهرون له أنهم يريدون نفعه، وهم لا يريدون إلا منفعة أنفسهم وإن أضروه، فقال رحمه الله:
"ومما يبين ذلك أن غالب الخلق يطلبون إدراك حاجتهم بك، وإن كان ذلك ضررا عليك، فإن صاحب الحاجة لا يرى إلا قضاءها، فهم لا يبالون بمضرتك إذا أدركوا منك حاجتهم، بل لو كان فيها هلاك دنياك وآخرتك لم يبالوا بذلك."
وهذا إذا تدبره العاقل علم أنه عداوة في صورة صداقة، وأنه لا أعدى للعاقل اللبيب من هذه العداوة، فهم يريدون أن يصيروك كالكير، ينفخ بطنك ويعصر أضلاعك في نفعهم ومصالحهم.
بل لو أبيح لهم أكلك لجزروك كما يجزرون الشاة، وكم يذبحونك كل وقت بغير سكين لمصالحهم، وكم اتخذوك جسرا ومعبرا لهم إلى أوطارهم وأنت لا تشعر، وكم بعت آخرتك بدنياهم وأنت لا تعلم وربما علمت، وكم بعت حظك من الله بحظوظهم منك، ورحت صفر اليدين...." [طريق الهجرتين وباب السعادتين: (1/107-108) ] "
العمل بمبدأ الشورى:
سأستعير هنا نصا-مع شيء من التصرف- من كتابي"الشورى":