فهرس الكتاب

الصفحة 3510 من 27364

"إن الشورى في الإسلام قاعدة من قواعده التي إذا فقدت اختل نظام الأمة، وانفرط عقد ائتلافها واجتماع كلمتها، وحلت فيها الفوضى، وسار كل شيء في غير مكانه اللائق به، وحلت في مجتمعها الفوضى."

إن الشورى من صفات المؤمنين التي لا غنى لهم عنها في حياتهم، ولا غنى لهم عنها في الوصول إلى رضا ربهم، وهي من القواعد الرئيسة التي أبرز خطرها القرآن الكريم في عهده المكي، قبل أن تقوم للمسلمين دولة، كما قال تعالى:

(( فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا، وما عند الله خير وأبقى، للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، وإذا ما غضبوا هم يغفرون. والذين استجابوا لربهم، وأقاموا الصلاة، وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون، والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ) ) [الشورى: 36-39]

وكانت الشورى من القواعد التي حرص الرسو صلى الله عليه وسلم على تطبيقها مع أصحابه، وقد ساق الإمام البخاري رحمه الله، عدة حوادث شاور فيها أصحابه، وذكر أن الأئمة بعده كانوا يستشيرون الأمناء من أهل العلم. [صحيح البخاري: (8/162-163] وفتح الباري [13/339]

وقد أضيف الأمر في قوله تعالى: (( وأمرهم ) )إلى الضمير وهو معرفة، وإضافة المفرد إلى المعرفة يكسبه العموم، فكل أمر يحتاج الحاكم فيه إلى إبداء الرأي والمشورة داخل في ذلك. وإنما كانت للشورى هذه المنزلة في الإسلام، لما فيه من الخير العائد إلى المسلمين، حاكمهم ومحكومهم.

فهي توجد بينهم الألفة، وتكون سببا في الوصول إلى الصواب، إما بإبداء الآراء وتمحيصها والخروج منها بالرأي الصائب بصفة جماعية، وإما باستحضار بعض أهل الشورى الحجة التي يقنع به الآخرين.

هذا إضافة إلى ما يوجد لدى بعضهم من الخبرة الطويلة والممارسة في العمل المبني على التخصص الذي لا يستغني عنه المسلمون، وإذا فقدوا ذلك خسروا خسارة عظيمة.

قال الإمام القرطبي -المفسر الفقيه-في تفسير الآيات السابقة:"وقال ابن العربي: الشورى ألفة للجماعة، ومسبار للعقول، وسبب إلى الصواب، وما تشاور قوم قط إلا هُدُوا، وقد قال الحكيم:"

إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن،،،،،،،،،،برأي لبيب أو مشورة حازم

ولا تجعل الشورى عليك غضاضة،،،،،،،،،،فإن الخوافي قوة للقوادم

[الجامع لأحكام القرآن:16 (/36-37) والبيتان لبشار بن برد، وهما في كتاب"البيان والتبيين"للجاحظ (4/49) ]

قلت: وكما أثنى الله على المؤمنين بصفة الشورى، فقد أمر بها رسول ا صلى الله عليه وسلم ، فقال: (( فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين ) ) [آل عمران: 159]

[كتاب الشورى ص 22،23 وفي الكتاب تفصيل لحكم الشورى، وما تجري فيه الشورى، ومن هم أهل الشورى...]

والمقصود هنا أنه لا يحق للحاكم أن يتصرف في شؤون الأمة، التي تؤثر في حياتها سلبا وإيجابا، متفردا في تصرفاته، دون الرجوع إلى أهل الحل والعقد فيها، لأن الأمة تتحمل المفاسد المترتبة على تصرفه بلا ذنب ترتكبه.

ويشمل ذلك ما يتعلق بمرافق الأمة العامة كلها، كالتعليم والإعلام، والشؤون السياسية، والاجتماعية، والصحية، والمال العام والاقتصاد، والسلم والحرب، والمعاهدات الدولية، فتلك كلها تمس حياة الشعوب، ويعود عليها نفعها أو ضرها، فيجب أن يستشار أهل الحل والعقد فيها...

فقد طبق أصحاب الرسو صلى الله عليه وسلم قاعدة الشورى، بعد وفاته مباشرة في اختيار من يخلفه، وهو أساس الشؤون السياسية [يراجع صحيح البخاري (8/25-28) ]

وطبقها عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الشؤون الصحية [صحيح البخاري (7/21) ]

وطبقها في المال العام والاقتصاد [الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (8/1...) وبدية المجتهد (1/418) وفتح الباري (6/24) وكتاب الخراج لأبي يوسف (24-27) ] وكتاب الشورى للكاتب [ص 54-71]

ونحن نشاهد في هذا العصر استبداد غالب حكام المسلمين بأمرهم-مع تستر كثير منهم بمجالس برلمانات صورية- في أمورهم الخطيرة التي تعود على شعوبهم بكوارث لا طاقة لهم بحملها، في شؤونهم الداخلية والخارجية، سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية وعسكرية...

ويكفي أن نعلم أن بعض هؤلاء الزعماء يعلنون الحروب مع جيرانهم، وهي حروب يهلكون فيها الحرث والنسل، ويقضون على الأخضر واليابس، دون استشارة الأمة في ذلك.

وإن ما نراه اليوم من جفاء بين غالب حكام المسلمين وشعوبهم، يعود كثير منه إلى إضاعة قاعدة الشورى الصحيحة، التي يمنح الله بتطبيقها بركة يجمع بها القلوب ويزكي النفوس، ويزيل الأحقاد بين الحاكمين والمحكومين، كما يغري بينهم بفقدها الفرقة والنزاع المؤديين إلى الفشل.

وللقضاء على هذا الاستبداد الظالم، رأى العلماء عزل الحاكم الذي لا يستشير أهل الحل والعقد، كما قال ابن عطية رحمه الله:

"والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه" [الجامع لأحكام القرآن (4/249]

إقامة قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت