فهرس الكتاب

الصفحة 3511 من 27364

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم قواعد هذا الدين، التي تبنى حياة الأمة على إقامتها.

وهو من أخص صفات عباد الله المؤمنين التي وعد الله من اتصف بها أن ينال رحمته، كما قال تعالى:

(( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ) ) [التوبة:71]

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من لوازم الولاء بين المؤمنين عموما، وبينهم وبين ولي أمرهم خصوصا، كالصلاة والزكاة، وغير ذلك من طاعة الله تعالى، كما هو واضح من الآية السابقة.

وإذا كان الله تعالى قد جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب رحمته، فإنه تعالى جعل ترك ذلك من أسباب طرده ونقمته، كما قال تعالى:

(( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون(78) كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون )) [المائدة: 79]

والأمة التي تترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مهددة كلها بعقاب الله تعالى لها في الدنيا والآخرة، وأعظم ما يعاقبها الله به في الدنيا اختلاف قلوبها، وإغراء العداوة والبغضاء بينها، وعدم استجابته دعاءها لكشف السوء عنها.

وإن ما أصاب الله به الأمة الإسلامية من الفتن والمصائب العظام في كل أنحاء الأرض اليوم، لهو نذير من نذره تعالى على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... وقد قال تعالى منذرا عباده المؤمنين، من تركهم الظالم يعيث فسادا في الأرض، بأن فتنة الظلم لا تخص الظالم فقد، وإنما تعم المسلمين جميعا، كما قال تعالى:

(( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ) ) [الأنفال:25]

وفي حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: (والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم) [الترمذي: 4/ 468]

وفي حديث عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

(إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل، فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده.

فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قرأ (( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ) )إلى قوله (( فاسقون ) )ثم قال كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا) [سنن أبي داود: 4/ 121]

وقد كلف الله جميع عباده المؤمنين القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على لسان رسول صلى الله عليه وسلم ، كل منهم حسب طاقته، كما في حديث أبي سعيد رضي الله عنه، قال: سمعت رسول ا صلى الله عليه وسلم يقول: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) [صحيح مسلم: 1/69]

نعم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان على كل مسلم، في حدود موقعه وقدرته، ولكن وجوبهما على الحاكم أعظم، لما أعطاه الله من القدرة، وما آتاه من التمكين في الأرض.

فإذا ترك المعروف أو وقع المنكر في منزل الأسرة، وجب على القادرين في الأسرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذا حصل ذلك في مصنع أو إدارة وجب على رب المصنع أو الإدارة القيام بواجبه

لكن المنكر عندما ينتشر في البلد كله، في الشارع والسوق والبر والبحر، وفي مرافق الدولة، كالإعلام والتعليم والاقتصاد، فيعتدى على الحقوق، وتنتهك الأعراض، و تزهق الأرواح، وتقطع الطرقات...

عندئذ لا يمكن أن يقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا ولي الأمر الذي بيده قوة المال وقوة السلاح، ووسائل الضبط، ووسائل الاتصال العامة، من إذاعة وتلفاز وصحافة، كما أنه قادر على تعميم ذلك عن طريق أئمة المساجد وخطبائها... ولهذا يتعين عليه الأمر والنهي، لأن قراراته تنفذ في أصعب الأمور، التي يحشر لتنفيذها كل الوسائل والأسباب.

وإن صدور قرار الحاكم بأمر أو نهي، ليجعل الرعية كلها تأخذه مأخذ الجد، إذا علموا إصراره على تنفيذ قراره، لأن كبار موظفيه من الوزراء والشرطة وأجهزة الأمن تتعقب كل مخالف لقراره، في المدن والأحياء والحواضر والبوادي.

ومن هنا يظهر لنا شيء من حكمة جعل الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من أهم وظائف ولاة الأمور المقرونة بأهم حقوق الله بعد الشهادة، وهي الصلاة، وأهم حقوق عباده، وهي الزكاة، كما قال تعالى:

(( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) ) [الأنبياء: 41]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت