وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تجتمع كلمة الأمة على الحق، ويحصل الانسجام بين أفرادها وجماعاتها، وبينها وبين ولاة أمرها، لاتجاههم جميعا إلى الأعمال الصالحة، والسعي في جلب مصالح الأفراد والمجتمع، واتخاذ الأسباب المانعة من وقوع المفاسد المهلكة، ويألف الناس الحرص على فعل الخير وترك الشر، وبذلك تغرس الطهارة الحسية والمعنوية في نفوس الناس.
وبترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تختلف قلوب الأمة، وتتصدع صفوفها، ويحصل بينهم التنازع والخصام، ويعم الفساد في الأرض، لأن تاركي المعروف وفاعلي المنكر يتبعون أهواءهم، ولا يمكن اجتماع أهل الأهواء على شيء فيه صلاحهم وفلاحهم، لأن كل واحد له من الأهواء ما يخالف بها الآخرين، بل إن أهواء الإنسان تتعدد وتختلف، فما يهواه اليوم قد يبغضه غدا، وما يبغضه اليوم قد يهواه غدا.
ولقد كان الهوى هو معبود من كفر بالله وعصى رسله عليهم الصلاة والسلام، كما قال تعالى: (( أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا ) ) [الفرقان: 43]
وقال تعالى (( فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) )القصص: 50]
هذا حال أهل الأهواء يتنازعون فيما بينهم، بحسب تنازع أهوائه.
بضاف إلى ذلك تنازع أهل الحق وأهل الباطل، وهم أهل الأهواء فأهل الحق يعملون بالمعروف ويأمرون به، ويتركون المنكر وينهون عنه، وأهل الباطل يعملون المنكر ويأمرون به ويتركون المعروف وينهون عنه.
وقصص الأنبياء مع أممهم، وقصص دعاة الخير والصلاح مع المفسدين في الأرض، شاهدة على ما يصيب الأمم من تنازع وتقاتل ودمار.
تصور أمة هذا حالها: تنازع بين أهل الأهواء وخصام، وتنازع بين هؤلاء وبين أهل الحق، كيف يكون حال هذه الأمة؟
إنه لا يوحد هذه الأمة ويجمع كلمتها إلا حاكم مسلم، ملتزم بشرع الله يرد رعيته كلهم إلى الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وإن الحاكم الذي يترك الناس هملا، كالبهائم يرتكبون المنكر، ويتركون المعروف، لهو حاكم سوء، يجلب على الأمة الفساد والخسران المبين:
(( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) )
فكيف إذا كان الحاكم نفسه، هو الذي يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف، كحال كثير من حكام المسلمين اليوم، الذين ينشرون المنكر تشريعا وقضاء وتنفيذا، وإعلاما وتعليما، وأخلاقا، مستخدمين في ذلك مرافق الشعوب وأموالها، وطاقات أبنائها، محاربين لتطبيق شرع الله، يتكبرون على الناصحين، الذين إذا أمروهم بتقوى الله أخذتهم العزة بالإثم، متشبهين بسلف أفسدوا في الأرض:
(( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام(204) وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد (205) وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد (206) [البقرة]
(( والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما ) ) [النساء:27]
فليتق الله حكام المسلمين في قيادة أمتهم بشرع الله، ليرضوا الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،ليحققوا الصلاح في الأرض، ويطردوا الفساد منها، ولتجتمع كلمتهم جميعا على إحقاق الحق وإبطال الباطل...
صدق الحكام ووضوحهم مع شعوبهم في كل الأمور التي تهمهم، وتعود عليهم - عاجلا أو آجلا - بمصالح أو مفاسد، فإن ذلك واجب على الحكام دينا وسياسة، وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين-وأنتم أجدر بأمره- بالتقوى والصدق، فقال تعالى: (( ياأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) ) [التوبة:119]
إن صدقكم شعوبكم -أيها الحكام-يجعلهم يصدقونكم، ويجلب لكم جميعا المصالح التي تستقيم بها الحياة، في الدنيا والآخرة، يوم لا ينفع عند الله إلا الصدق، كما قال تعالى: (( قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم ) ) [المائدة:119]
ومن الأمثال العربية:"إن الرائد لا يكذب أهله"
نعم أثنى الناس على هذا الاعتراف، لالأنهم يجهلون مضمونه، وإنما لخروجه عن المألوف الذي لم تعرف الشعوب العربية غيره من زعمائها، وهو عدم"المفاتحة والمصارحة"
وكم يستبشر الناس بسماع كلمة صد يتفوه بها حاكم من حكامهم في أمر يهمهم، لا لأنهم يجهلون الحقيقة التي اعترف بها، وإنما لكثرة التصريحات المضللة من كثير من الحكام، ولندرة التصريحات الصادقة.
إن الصدق مع شعوبكم، من أهم أسباب حصول الثقة الصادقة الظاهرة والباطنة، بينكم وبينهم، الثقة التي يبنى عليها الولاء الصادق، والتعاون النافع المثمر الدائم.
وليست الثقة المزيفة التي يخالف باطنها ظاهرها، فهذه ثقة سراب خادع، يبرم كل من الشركاء فيه أمر سوء وهلاك لشريكه، في أقرب قرصة تتاح لي منهم، ثقة هي اسم دون مسمى، ضارة غير نافعة في الدنيا والآخرة.
حفظ نظام الأمة وإرساء الأمن الشامل لحياتها على أساس الشريعة: