إن المقصد العام من التشريع، الذي لا يمكن تحقيقه، إلا بتصدي الحاكم المسلم له، هو حفظ نظام الأمة بصلاح من يقوم بحراسة هذا النظام وتدبيره، وهو الإنسان، بحيث يشمل صلاح عقله وعمله، وصلاح ما بين يديه من موجودات العالم. [أخذ المعنى من مقاصد الشريعة الإسلامية، للشيخ الطاهر بن عاشور ص: 273 الناشر دار النفائس- الأردن]
فمن أهم واجبات الحكام حفظ النظام القائم على شرع الله، وإرساء الأمن العام الشامل لحياة الأمة المعنوية والحسية... الذي تتحقق به حماية الضرورات التي لا تستقيم الحياة بدونها، وهي:"الدين... والنفس... والنسل... والعقل... والمال"وما يكملها.
والمقصود بالضروريات، كما قال الإمام الشاطبي رحمه الله:"...فمعناها أنه لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت، لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين" [الموافقات:بتحقيق عبد الله دراز 2/8]
وبهذا يعلم أن عدم حفظ هذه الضرورات على أساس شرع الله، يكون فيه هلاك الأمة الإسلامية وذوبانها، وفقد عزتها وكرامتها، وجعلها نهبا لأعدائها.
[للكاتب رسالة خاصة لخص فيها القول في هذه الضرورات، في حدود ما أمكنه. وهي بعنوان: الإسلام وضرورت الحياة-الناشر دار المجتمع بجدة]
وإن جل ما أصاب هذه الأمة اليوم من ضعف وتأخر وهوان، وخضوع لأعداء الله، يعود إلى التفريط الشديد في هذه الضرورات، وعدم تطبيق شرع الله في حفظها وحمايتها، في غالب البلدان الإسلامية.
فهاهم أعداؤنا من اليهود والنصارى والوثنيين، يعتدون على ديننا، ونفوسنا، ونسلنا وعقلنا ومالنا، في كل الأقطار الإسلامية، فلا يجدون من يحمينا بشريعتنا من عدوانهم.
بل إن غلاة العلمانيين المنتسبين إلى الإسلام في بلدان المسلمين، يتعاونون مع أعداء الإسلام، ويستعينون بهم على الانقضاض على هذه الضرورات، ولهم في ذلك من التدابير، والخداع، والوسائل... ما ليس بخاف على من يتتبع تصرفاتهم اليوم.
ولهؤلاء سلف يقتدون بهم، يفسدون في الأرض ويزعمون أنهم مصلحون، ويتعاملون مع المسلمين بوجه، ومع أعداء المسلمين بوجه آخر: (( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون(11) . ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون (12) وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون (14) [البقرة]
يفضلون التحاكم إلى الطاغوت على التحاكم إلى القرآن، الذي يزعمون أنهم يؤمنون به، ويزعمون أنهم لا يريدون من عملهم المخالف لحكم الله إلا مصلحة الأمة....
(( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ءامنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا(60) وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا (61) فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا (62) [النساء]
المسؤولية جماعية:
وحفظ نظام الأمة وأمنها الشامل، الذي هو من أهم مسؤولية ولاة الأمر، هو مسؤولية جماعية، لا يمكن أن يقوم بها الحاكم وحده، وإنما هو مسؤولية الأمة كلها:
فالأسرة مسؤولة عن تربية أبنائها من طفولتهم، في منزلها على سلوك سبل النظام، في نظافتهم، ونومهم، وطعامهم، وجدهم ولهوهم، ودراستهم، وحسن أدبهم مع الأبوين والأقارب وبخاصة الكبار، ومع الضيف والخدم.... وإعطاء صاحب الحق حقه، وعدم الاعتداء على حقوق الآخرين، وعلى التزام الصدق والوفاء بالوعد، وأداء العمل بإتقان...
والمسؤولون في المدرسة-من روضة الأطفال إلى الدراسات العليا-من مديرين، ومدرسين، وموظفين، مسؤولون كذلك عن توجيه الطالب في تصرفات وسلوكه...
والعلماء وخطباء المساجد، مسؤولون -كل في موقعه، عن إرشاد الناس وحثهم على التزام النظام وترك الفوضى...
والإدارات الحكومية العامة، والأهلية الخاصة، مسؤولة عن تدريب موظفيها وعمالها على النظام...
والقضاة في محاكمهم، مسؤولون عن حفظ النظام والأمن، بحسم الخلافات والنزاعات، والتعدي على الحقوق والأعراض، بالحكم بشرع الله، وإعطاء كل ذي حق حقه، وبإقامة الحدود والقصاص والتعزير، على من يستحق ذلك، دون تهاون ولا مجاملة لقوي أو ضعيف، ووضيع أو شريف...
والوزراء والأمراء وكبار رجال الدولة، كل منهم مسؤول عن القيام بواجبه في حفظ النظام وتثبيت الأمن الشامل، في حدود وظيفته...
ورجال الشرطة والمرور، مسؤولون -كذلك- عن إرساء النظام والأمن في مواقعهم، مع مراعاة الحقوق والواجبات الشرعية والنظم التي لا تخرج عن ذلك.
وجميع المؤسسات الرسمية والشعبية التي تعين عليها القيام بأي عمل من مصالح الأمة، هي مسؤولة عن
ويجب أن يعلم هؤلاء جميعا، أن الأصل في حفظ النظام وتثبيت الأمن في الأمة، هو تدريب كل مسؤول من تحته على ذلك، بالتعليم والتربية والترغيب والإقناع، وبالقدوة الحسنة والمتابعة المستمر، فإن لم ينفع ذلك كله، فبالزجر والترهيب والعقوبات المناسبة...