وإن المسؤولين عن النظام والأمن، إذا لم يكونوا قدوة حسنة لمن تحت مسئوليتهم، لهم أشد إفسادا لنظام الأمة وأمنها من غيرهم.
كيف يطلب الأب من أبنائه، التزام النظام، وحياته كلها فوضى؟ وكيف تطلب الأم من ولدها الصدق وهي تكذب عليه صباح مساء؟
كيف يطلب الحاكم وأعوانه الكبار -كالوزراء- ممن تحت يدهم التزام الأمانة والنظام وهم يتخذون كل وسيلة من وسائل الخيانة والخروج على مضامين القوانين...؟
وإنما نبهنا على أن المسؤولية عن الأمن والنظام جماعية، وإن كانت مسؤوليتها الأولى تقع على الحاكم، لأمرين:
الأمر الأول: أن مصطلح الأمن في الإسلام أشمل مما تعارفت عليه غالب الدول في هذا العصر -وإن وصفوه بالعام- وهو ما تقوم به الشرطة بفئاتها، ورجال المرور، والمباحث العامة والخاصة، وكذلك الاستخبارات بأنواعها... ويدخل في ذلك النائب العام... ومحاكم أمن الدولة التي قد تأخذ أسماء مختلفة...
فهؤلاء تؤدي كل فئة منهم وظيفتها المرسومة لها من قبل الدولة، وغالب الدول في هذا العصر تهتم بأمن محدود -وإن سمي الأمن العام-. ولتوضيح ذلك أضرب مثالا واحدا، وهو:
أن شرب الخمر مباح في غالب الدول، إذ الخمر تباع وتشترى، وتقدم في الحفلات وتشرب فيها علنا... ولا يعاقب القانون -عقابا غير رادع-شاربها إلا إذا سكر وحصل منه ضرر على الناس في الأماكن العامة، كالشوارع...
أما إذا شربها حتى غاب عقله دون أن يحصل منه ضرر على غيره، فلا عقوبة عليه، بل له الحرية الكاملة في ذلك.
فالأمن المقصود هنا غير شامل، بل هو قاصر، بخلاف الأمن الذي تتصدى الشريعة، فإنه يشمل أمر الشخص نفسه، سواء حصل منه ضرر على غيره أم لا.
فحفظ عقل الإنسان ضرورة من ضرورات الحياة، ويجب حمايته، ولا يجوز التفريط فيه، لأن الإسلام لا يبيح للإنسان أن يتعاطى الأسباب التي تعود عليه بالضر.
والضرر الذي يلحق شارب الخمر، ينال دينه وخلقه وشؤونه الدنيوية، وهذا معلوم يعرفه كل من أمكنه معرفة أحوال السكارى.
إضافة إلى ذلك فأن ضرر شرب الخمر لا يقتصر على شاربه فقط، بل يشمله ويشمل المجتمع، ولو بصورة غير مباشرة.
فهو مع اعتدائه على نعمة العقل يعتدي على ضرورات أخرى، كإنفاق المال في المحرمات، وحجبه عمن يستحقه من أسرته أو غيرهم من المحتاجين.
كما يعتدي على أهم الضرورات وأعظمها وهي الدين، ومعلوم أن غالب الذين يداومون على شرب الخمر يفقدون التدين والتعبد، وتقل عندهم التقوى، ويضيع الورع.
ويعتدون على ضرورة اجتماعية أخرى وهي النسل والعِرض، فغالب من يشربون الخمر لا يتورعون عن ارتكاب فاحشة الزنا، وكثير منهم يتصفون بالدياثة فلا يغارون على نسائهم، وفي الزنا مع هتك الأعراض اختلاط الأنساب، وقطع النسل، لأن النساء الزواني يتعمدن تعاطي ما يمنع الحمل.
ثم إن الشريعة الإسلامية تعاقب على شرب قليل الخمر وكثيره، أسكر أو لم يسكر، حماية للعقل ووقاية له من أن يصل إلى السكر.
والشريعة الإسلامية تمنع منعا باتا صناعة الخمر وبيعها وشراءها، وتلعن كل من يتسبب في استعمالها: العاصر والمعتصر، والبائع والمشتري، والساقي والشارب...
ففرق بعيد في حماية العقل وحفظه وأمنه مما يغتاله ويذهبه، بين ما سنته الشريعة الإسلامية، وبين ما سنته الدول في قوانينها الوضعية.
بل إن عقوبة شارب الخمر في القوانين الوضعية، مع عدم جدواها، لم توضع لحفظ العقل، بل وضعت لحماية النظام العام.
ومن هذا المثال -وغيره من الأمثلة كثير- يعلم الفرق الكبير بين مفهوم الأمن في قوانين غالب الدول وبين مفهومه في الشريعة الإسلامية وعلى كلا المفهومين تترتب آثار لا تخفى.
الرحمة والسماحة والرفق:
1828 عن حرملة عن عبد الرحمن بن شماسة قال أتيت عائشة أسألها عن شيء فقالت ممن أنت فقلت رجل من أهل مصر فقالت كيف كان صاحبكم لكم في غزاتكم هذه فقال ما نقمنا منه شيئا إن كان ليموت للرجل منا البعير فيعطيه البعير والعبد فيعطيه العبد ويحتاج إلى النفقة فيعطيه النفقة فقالت أما إنه لا يمنعني الذي فعل في محمد بن أبي بكر أخي أن أخبرك ما سمعت من رسول ا صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي هذا: اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به مسلم: [3/1458]
القضاء المستقل
العناية بذوي الحاجات
1829 حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث ح وحدثنا محمد بن رمح حدثنا الليث عن نافع عن بن عمر عن صلى الله عليه وسلم أنه قال ثم ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالأمير الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته مسلم 3/1459