• يخضع نقد الاستشراق, اليوم, للمنهجية العلمية, التي تقتضي قدرًا من التخصُّص, أو على أقل مطلب علمي, تقتضي الشمولية في الاطلاع على مشارب الاستشراق وفئاته ومدارسه وأطواره, إذ إنَّه يعَدُّ, الآن, من أوسع الموضوعات الثقافية والفكرية التي تتعرَّض للنقد العام, كما أنَّه يكثر منتقدوه نقدًا عامًّا, بدوافع لا يُشكُّ في مقاصدها وإخلاصها, إلاَّ أنَّه, مع سلامة المقصد والإخلاص فيه, لا بُدَّ من الصواب في النقد.
• تأتي هذه الكثرة من المنتقدين للاستشراق لما يعيشه من حالة من ضعف الثقة بنقد بالاستشراق في أنْ يكون عاملاً من عوامل الاتِّصال الإيجابي مع الثقافات الأخرى, الذي يندرُ فيه المتخصِّصون في نقده تخصُّصًا مباشرًا, وتندر فيه مراكز الدراسات والبحث العلمي على المستويين العربي والإسلامي, في الوقت الذي تزداد فيه مراكز الدراسات الاستشراقية في الغرب والشرق الأقصى, وإن تسمَّت بأسماء أخرى غير الاستشراق, فالمفهوم واحدٌ.
• ندرة المتخصِّصين في نقد الاستشراق, وندرة وجود مراكز نقد الاستشراق والمستشرقين, على المستويين العربي والإسلامي, كان لهما أثرهما في أن يُتولَّى نقدُ الاستشراق من منطلقات عاطفية, هدفها نبيل, وهو الذود عن هذا الدين الحنيف والثقافة العربية/الإسلامية التي استمدَّت مقوِّماتها من هذا الدين, دون إغفال الإفادة من الثقافات الأخرى, السابقة والمعاصرة. لكنَّ هذه العاطفة التي طغت على هذا الطرح قد أوقعت بعض المنتقدين بمزالقَ علمية, من خلال الدخول فيما يسمِّيه رضوان السيِّد بإيديولوجيا العداء للاستشراق, الذي لا يمثِّل المنهج التخصُّصي في نقد الاستشراق.
• تُستحضر, هنا, العبارة المناسبة لهذا المقام, عن أحد المعنيِّين المباشرين بظاهرة الاستشراق, السيِّد الشاهد, حيث يقول:"كثُر الحديث في العقدين الأخيرين من هذا القرن العشرين عمَّا يسمَّى في بلادنا ظاهرة الاستشراق, شارك فيه المتخصِّص وغير المتخصِّص, من يعرف لغات الاستشراق ومن لا يعرفها, فجاء معظم الحديث نقولاً عن نقول أُخذت عن ترجمات فيها الصواب والخطأ, وأصبح ميدان الاستشراق أو كاد حلاًّ لمن أراد التأليف السريع لا يتطلَّب من طالبه سوى جمع بعض ما سبق, وتوليفه وتزيينه بعناوين جذَّابة ترضي ذوق متوسِّطي الثقافة» (5) ."
• لو سأل أحدٌ عن المقياس الذي يمكن تبنِّيه في نقد الاستشراق والحكم عليه لأجابت عنه الآية الكريمة في سورة المائدة قال تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" [المائدة: 8] . ورغم أنَّ هناك صناعةً للعداء تجاه المسلمين (6) , ورغم أنَّ العدل مع الآخر ليس متوخّىً من الآخر دائمًا, ورغم كلِّ المؤشِّرات التي لا تشجَّع على هذا الموقف العادل, إلاَّ أنَّ مطلب العدل يأتي توجيهًا من مصدر الثقافة الإسلامية الأوَّل, بحيث يكون توخِّي العدل في الحكم على الأشياء نمطًا من أنماط العبادة لله تعالى؛ لأنَّ فيها طاعةً لله تعالى.
• يؤكِّد محمد جلاء إدريس هذا التوجُّه, بعبارة هي أكثرُ وضوحًا, بقوله:"ينبغي أنْ لا يسيطر التطرُّف على معالجتنا للقضايا المهمَّة في عالمنا, فلا نقع في إفراط أو تفريط, ولا في تهويل أو تهوين. نحن بحاجة إلى عقول تربَّت ونمت على الموضوعية, تدرس الماضي, وتفسِّر الحاضر, وتخطِّط للمستقبل. ولسنا بحاجة إلى من يُهاجم فكرًا أو يدافع عن فكر آخر, دون أنْ يكلِّف نفسه عناء التفكير في البدائل الناجعة» (7) . ولذلك فإنَّ عين الرضا أو عين السخط لا تُستحضران هنا, من قول الشاعر العربي:"
وعين الرضا عن كلِّ عيبٍ كَلِيْلَةٌ*** ولََكِنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِيْ الْمَسَاوِيَا
الالتقاء بين الثقافات
• الأصل في الثقافات التي تقوم على وحي منزَّل من الله تعالى, والتي استمدَّت مقوِّماتها الثقافية من كتابٍ منزَّل, الأصل فيها التلاقي, ذلك أنَّها تؤمن بما اصطلحنا عليه نحن المسلمون بأركان الإيمان الستَّة, وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر, خيره وشرِّه (8) . ومن ثمَّ فلا مجال لصناعة الكراهية بينها, لأنَّ منبعها واحد, وأهدافها, في أصلها, واحدة. وكونها تعرَّضت لتدخُّل البشر في الثقافات الأخرى فإنَّ هذا داخلٌ في سنن الله تعالى في هذه الرسالات السماوية, التي كانت فيها القابلية لهذا النوع من التدخُّل, الذي يُفترض فيه حسنُ المقصد,"إلا ما ورد من باب التجاوز والافتراءات" (9) .