فهرس الكتاب
الفئة الأولى: فإذا ذهبنا إلى مَنْ قَبِل هذا المصلح في بيئتنا العربية لننظر كيف تلقوه عن الغرب وكيف يفهمونه، فإننا نجد من يقول مبيناً خصائص هذه الدولة: «والدولة المدنية هي الدولة التي تقوم على المواطنة وتعدد الأديان والمذاهب وسيادة القانون» (2) ، ومن يقول: «الدولة المدنية هي الدولة التي يحكم فيها أهل الاختصاص في الحكم والإدارة والسياسة والاقتصاد... إلخ، وليس علماء الدين بالتعبير الإسلامي أو (رجال الدين) بالتعبير المسيحي» (3) .
ومن يقول: «الدولة المدنية هي دولة المؤسسات التي تمثل الإنسان بمختلف أطيافه الفكرية والثقافية والأيديولوجية داخل محيط حر لا سيطرة فيه لفئة واحدة على بقية فئات المجتمع الأخرى، مهما اختلفت تلك الفئات في الفكر والثقافة والأيديولوجيا» (4) . لكن هذا الكلام إذا أُخذ مفصولاً عن لواحقه فقد لا يتبين منه شيء؛ فهو كلام محتمل يسهل التخلص من لوازمه، لذا لو رجعنا إلى تفصيلات الكلام فإنها تكشف كثيراً من هذا الإجمال أو الغموض؛ ففي تفصيلات الكاتب الأول، نجده يضع الدولة المدنية في مقابل ما يسمونه بالإسلام السياسي، وهو ما يعني أن علاقة هذا المصطلح بالإسلام ـ في فهمهم ـ ليست علاقة توافق، وإنما هي علاقة تعارض.
والحقيقة أنه ليس هناك ما يمكن أن يسمى إسلاماً سياسياً وإسلاماً غير سياسي؛ فتلك مسميات ما أنزل الله ـ تعالى ـ بها من سلطان؛ فالإسلام هو الدين الذي رضيه رب العباد للعباد، بما فيه من عقائد وعبادات وتشريعات ومعاملات، فتقسيم الإسلام إلى سياسي وغير سياسي ونحو ذلك من المصطلحات، وقبول ما يزعمون أنه إسلام غير سياسي وينعتونه بالإسلام المعتدل، ورفض ما يسمونه بالإسلام السياسي وينعتونه بالإسلام المتشدد، هو مُناظِر لفعل المشركين من قبل: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} [الحجر: 91] ، قال ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ: «هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ جَزَّؤوهُ أَجْزَاءً، فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ، وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ» (5) .
يقول الكاتب المذكور: «فالخوف على الدولة المدنية قائم، والسؤال عن مستقبلها مطروح، في عدد متزايد من الدول التي يتنامى فيها دور حركات الإسلام السياسي» (6) ، ويعلق على محاولة الملك فؤاد ملك مصر ـ بعد سقوط الخلافة في تركيا ـ أن يجعل من نفسه خليفة فيقول: «عندما أغرى سقوط الخلافة العثمانية عام 1924 الملك الراحل فؤاد بأن يحمل اللقب الذي بات بلا صاحب، لم يكن واضحاً حينئذ لكثير من المصريين مدى التغيير الذي يمكن أن يحدث في طبيعة الدولة إذا نجح فؤاد في تنصيب نفسه خليفة، لم يدرك الخطر على الدولة المدنية إلا قسم في النخبة السياسية والثقافية. ولكن هذه النخبة في مجملها كانت مؤمنة بأن الخلط بين السياسة والدين هو نوع من الشعوذة التي تسيء إلى كليهما، على نحو ما أبلغه الزعيم الوطني الراحل مصطفى النحاس بعد ذلك بسنوات إلى مؤسس جماعة (الإخوان) حسن البنا» (7) ، ويقول أيضاً: «وسجل التاريخ لرجال مثل علي عبد الرازق وطه حسين وعبد العزيز فهمي وغيرهم، دورهم المقدر في حماية الدولة المدنية» (8) .
ومعروف ماذا كان دور (علي عبد الرازق) الذي يعد أول من أنكر علاقة الدين بالحكم أو السياسة، وأنكر أن تكون خلافة الصديق ـ رضي الله تعالى عنه ـ خطة دينية، وكذلك دور طه حسين التغريبي وغيره ممن ذكرهم الكاتب أو أشار إليهم، وهذا الاعتراف يعني أن الدولة المدنية هي الدولة العلمانية، وإن كان بعض الناس يفضل استخدام لفظ المدنية على العلمانية من أجل الخداع والمراوغة.
ويقول الكاتب الثاني: «نريد أن نتجاوز التسميات إلى المضامين، أي أن المضمون للفكرة هي: قيام الدولة على أساس مدني، وعلى دستور بشري أياً كان مصدره، وعلى احترام القانون، وعلى المساواة وحرية الاعتقاد» ويزيد الأمر تفصيلاً فيضيف: «نقبل وننادي وندعم الدولة المدنية الحديثة القائمة على سلطة الشعب في التشريع، وكما ورد بالنص في برنامج حزب الوسط الجديد في المحور السياسي (الشعب مصدر جميع السلطات التي يجب الفصل بينها واستقلال كل منها عن الأخرى في إطار من التوازن العام) وهذا المبدأ يتضمن حق الشعب في أن يشرِّع لنفسه وبنفسه القوانين التي تتفق ومصالحه.. ويؤمنون بأساس المساواة التامة في الحقوق والواجبات بكافة أشكالها ومنها السياسية بين الرجل والمرأة والمسلم وغير المسلم على أساس المواطنة الكاملة، ويؤمنون بالتعددية الفكرية والدينية والسياسية والثقافية» (1) .
ويقول الكاتب الثالث: «في الدولة المدنية يضع الإنسان قوانينه التي تنظم حياته لكونه أعرف بأمور دنياه، ويستمد من قوانين دينه القوانين التي تنظم علاقته بربه، ليكون مؤمناً لا يمنح لنفسه الحق أن يكون مدعياً لامتلاك الحقيقة ومفسراً وحيداً لمفاهيم الدين، مما يجعل الدولة كهنوتية تخضع لحكم الكهنوت وليس لحكم القانون» (2) ، فالدولة المدنية في فهمه تعني استقلال الإنسان بوضع التشريعات التي تحكم أمور الحياة، وحصر الدين في المفهوم العلماني الذي يقصر الدين على الشعائر التعبدية في معناها الضيق (3) .