فهرس الكتاب

الصفحة 24408 من 27364

فمن حق كل طرف أن يكون مقتنعاً بما لديه, مما قامت عليه البراهين عنده على صحته. لكن لا يمنع هذا أن يسمع الآخرين, وأن يكون مستعداً للنظر فيما عنده من مسائل وهذا معنى كلام الشافعي رحمه الله: (قولي صواب يحتمل الخطأ, وقول غيري خطأ يحتمل الصواب ) .

وجاء رجل إلى الإمام أحمد رحمه الله بكتاب

وقال له: هذا كتاب ألفته, وسميته كتاب (الخلاف )

فقال له الإمام أحمد: هذا حسن لكن سمِّهِ كتاب (السعة)

لأن ها مما وسع الله تعالى به على العباد .

وفي نفس الباب كلمة الإمام مالك المشهورة ( ما منا إلا رادٌّ ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر r ) .

وكذلك الإمام أبو حنيفة كان يقول: (حرام على من لم يعلم دليلي أن يفتي بكلامي ؛ فإننا بشر, نقول القول اليوم, ونرجع عنه غداً)

وهؤلاء تلامذته غيروا من بعده نحو ثلث المذهب, وهو تغيير قائم على الاجتهاد, والنظر والمحاجة, والبحث عن الحق لا بمحض التشهي.

فمثل هذه المسائل والنواحي التي ذكرت هي التي يجوز فيها التحاور والنقاش الذي يدور على الأخذ والرد العلمي القائم على الدليل والبرهان وليس على الهوى, والتعنت, واللجاج, وعلو الصوت, والصراخ, والإطاحة بالآخر, وإقصائه بالحق وبالباطل.

في الحوار تبرز قضية أساس, وهي اقتران الرحمة مع المحاورة. ما منهج المناظرة والمحاورة لدى الأنبياء؟

الرحمة قضية أساس في كل شيء حتى في ذبح الحيوان «إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ الاِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ ثُمَّ ليُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» .

وهي أساس في أي مبدأ, أو محاورة, بين عالم ومتعلم, أو كبير وصغير, مع كل الأطراف وعلى كل المستويات.

وقد جمع الله عز وجل بين المحاورة والرحمة في صفة أنبيائه.

(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء:107)

(فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً) (الكهف:65)

(قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) (هود:28)

(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران:159)

وهذه الحوارات بين الأنبياء وأقوامهم مفعمة بالرحمة وروح الود؛ كما هو ظاهر.

وفي الحديث الذي رواه أهل السنن أبي سعيد الخدري ، قال: قال رسول الله: «مَا مُجَادَلَةُ أَحَدِكُمْ فِي الحَقِّ يَكُونُ لَهُ فِي الدُّنْيَا بِأَشَدَّ مُجَادَلَةً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ فِي إخْوَانِهِمُ الَّذِينَ أُدْخِلُوا النَّارَ قَالَ: يَقُولونَ: رَبَّنَا إخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا وَيَحُجُّونَ مَعَنَا فَأَدْخَلْتَهُمُ النَّارَ قَالَ: فَيَقُولُ: اذْهَبُوا فَأَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ مِنْهُمْ قَالَ: فَيَأْتُونَهُمْ فَيَعْرِفُونَهُمْ بِصُوَرِهِمْ »

وهذه مجادلة فيها إشفاق ورحمة ورغبة في إنقاذهم من النار؛ كما كانوا في الدنيا يجادلون برحمة وبلطف وأدب.

قال أحمد بن حنبل: ( قلما أغضبت أحداً فقبل منك ) .

إن المناظرة والحوار في منهج الأنبياء تمثل مبادئ حقيقية سامية ثابتة لا خلاف عليها ولا جدل فيها.

وما نقل عن بعض الأئمة من النهي عن الجدال والمناظرة والحوار؛ فهذا اجتهاد خاص؛ لظروف معينة؛ يوجهها الوقت, وطبيعة الأحداث في عصرهم؛ لكن الأصل أن الرسل عليهم السلام جاؤا بأصل لا خلاف عليه وهو المحاورة لإظهار الحق .

ومن تأمل القرآن وجد كلمة ( يا قوم ) جاءت عشرات المرات على لسان الأنبياء؛ جاءت في معرض بيان الحجة وإزالة الشُبَه من أذهان المدعوين إلى الله.

بل من تأمل سيرة صلى الله عليه وسلم مع قومه في مكة وهم كفار, ومع المنافقين في المدينة, وعلى رأسهم عبد الله ابن أبي سلول, وكيف كان صلى الله عليه وسلم يلاحقه بقوله: يا أبا الحباب! يا أبا الحباب! من تأمل ذلك وغيره من المواضع التي لا تحصى؛ علم الأصل جيداً.

وليس هذا مرتبطاً بمرحلة استضعاف, ولا غيره, وإلا فقد تلطف مع خصومه في المدينة وهي مرحلة قوة كما تلطف في معهم في مكة . بل تلطف مع اليهود في الرد وهم يسألون عن أوَّلُ أشراط الساعة ؟ وما أولُ طعامٍ يأكلهُ أهل الجنةِ ؟ ومِن أيِّ شيءٍ يَنزعُ الولَدُ إِلى أبيهِ, ومن أيِّ شيءٍ يَنزِعُ إِلى أخوالهِ ؟

حتى أغلظ له بعضهم لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم «أَيَنْفَعُكَ إِنْ حَدَّثْتُكَ» ، قَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ، ومع ذلك حدثه النبي صلى الله عليه وسلم .

فأين الحوار اليوم من هذه المعاني .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت