إن بعضهم قد يقصيك أو يصنفك لأدنى حركة, وليس فكرة تعبر عنها مرتبطة بالدليل وهذا ناتج عن فقدان الحوار لأصل فيه وهو الرحمة مع المخالف.
ولي محاضرة خفيفة بعنوان ( كيف نختلف ) ذكرت فيها ما يعالج هذا الموضوع.
ما شروط الحوار التي ترون وجوب توافرها في أي محاور كبر أو صغر قوي أو ضعف ؟
هذا الموضوع فيه تفصيل, لكن من صفات المحاور:
1-سلاسة العبارة وجودة الإلقاء وحسن العرض.
2-حسن التصور عند المحاور؛ فلا تكون الأفكار متضاربة أو مشوشة.
3-القدرة على ترتيب الأفكار وعدم التداخل.
4-العلم؛ فالبعض قد يخذل الحق في شخصه؛ لضعف علمه, وهذا يحدث كثيراً خاصة في وسائل الإعلام عندما يتحدث باسم الإسلام شخص ضعيف العلم والفهم.
5-الفهم مع العلم.
6-الإخلاص والتجرد في طلب الحق فلا يكون همه الانتصار وإنما طلب الحق كما مر معنا في الإمام الشافعي رحمه الله.
لكن هل توجز لنا آداب الحوار الصحيح عموماً.
من آداب الحوار الصحيح:
-حسن المقصد, وليس العلو في الأرض ولا الفساد.
-التواضع في القول والعمل, وتجنب ما يدل على العجب والغرور والكبرياء.
-حسن الاستماع والإصغاء.
-الإنصاف.
-البدء بمواضع الاتفاق والإجماع والمسلمات والبديهيات إذا ليس من المصلحة أن نهجم على مسائل مختلف فيها.
-ترك التعصب لغير الحق.
-احترام الطرف الآخر.
-الموضوعية - وهو رعاية الموضوع وعدم الخروج منه إلى بنيات الطريق ومن الموضوعية التوثيق العلمي أيضا .
-عدم الإلزام بما لا يلزم, أو المؤاخذة بالإلزام.
-الاعتدال في كل شيء؛ في الصوت وفي الجلسة, وفي الحركات وفي سياق الحجج وفي الوقت من أول المحاورة إلى آخرها.
هل هناك تعارض بين مفهوم الولاء والبراء في الإسلام وبين الحوار أو التعامل المصلحي.
هناك نقاط مهمة في هذا الجانب منها:
-لا تعارض مطلقاً بين الولاء والبراء وبين الحوار.
-أعظم سورة ذكرت الولاء والبراء هي سورة الممتحنة وهي مدنية.
(لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة:8)
هذا من حيث الأصل إجماع.
لكن حتى الكفار المحاربون يقول فيهم:
(عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الممتحنة:7)
فلا يعتقد أن أحداً لن يهتدي فالله قدير, وكثير ممن حاربوا صلى الله عليه وسلم في بدر وغيرها تحولوا إلى أنصار وأعوان وحملة لهذا الدين ودعوته.
وكما أسلفت فإن من تأمل تعامل صلى الله عليه وسلم مع صناديد قريش في مكة واليهود في المدينة؛ أدرك أن لا تعارض أبداً بين الحوار والمجادلة والتعامل المادي المصلحي من جهة وبين البراء مما عليه الكفار والمشركون من أنواع الضلالات والانحرافات والمخالفات .
-ومن العجيب أنه سألني بعض طلبة العلم:
وكانوا مسافرين إلى إفريقيا لذبح الأضاحي وقابلتهم في الطائرة - سألني: هل يجور أن أبتسم في وجه الكافر ؟!!
-هل يجوز أن أصافحه؟!!
-هل يجوز أن أجلس معه في مكان واحد ؟!!
قلت له: سبحان الله ... وهل في المسألة خلاف؟
إذاً: كيف كان صلى الله عليه وسلم يعامل قريشاً وأشياخ الوثنية بمكة؟ واليهود وأهل الشرك بالمدينة؟ وهل يمكن أن تقوم دعوة إلا على الخلق الحسن والتواصل مع الآخرين؟!
هل الحوار يعني الذوبان والتمهيد إلى التحول كلية عن الحق؟
يتصور البعض أن الحوار يعني ذوباناً أو تحولاً , والصحيح هو العكس تماماً فالحوار لغة الأقوياء وهو علامة قوة وثقة بالنفس بما لدى الإنسان من ثوابت ومسلمات, والحوار دلالة أكيدة على أن المحاور على بصيرة من أمره فهو:
1-من أقوى رسائل الدعوة والتبشير بهذا الدين.
2-الحوار يزيل الصورة الضبابية للأمور ويجليها ويحولها من الغموض والتعقيد إلى الوضوح والسهوله والفهم والدقة.
وفي معرض ذكر الاختلاف والتنوع بين الناس يقول تعالى: )يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات:13)
قال سبحانه"لتعارفوا"ولم يقل لتعاركوا؛ فالأصل التعارف في كل شيء اسماً وشخصاً وثقافة وتاريخاً وعملاً وموقفا وكتاباً ودراسات بحيث يكون الحديث عن وعي وبصيرة.
3-كثيراً ما يوقف الحوار أنواعاً من الصدامات التي لا حاجة لها ولا داعي إليها.
وإذا كان الجهاد فريضة قائمة إلى قيام الساعة وماضية أيضاً, وهذا معنى متواتر وهو مرتبط بخلود هذه الأمة, واستعدادها للصبر والمقاومة, وهو من المعاني التي تميز هذه الأمة, وربما لولا المقاومة فيفلسطين والعراق وغيرها لكان وضع الأمة أسوأ مما هي عليه .