فهرس الكتاب

الصفحة 22110 من 27364

إنهم لن يستطيعوا أن يحجبوا عن أتباعهم ولو شرارة واحدة من نار .. ولن تغني عن الضعفاء تبعيّتهم الطويلة للمستكبرين ـ يومها ـ لن يغني عنهم استعبادهم أنفسهم لشهوة الطاغوت وتجبره .. إن الله قد حكم بين العباد .. ولن يكون أشد الطغاة طغياناً، إزاء هذا الحكم، سوى أداة هينة لينة يفعل الله فيها ما يريد .. ولن تجدي آلاف السنين من التذلل والتبعيّة والتمسح .. لمن؟ لأناس لا يملكون إزاء حكم الله أي شيء.. ولا حماية أتباعهم من لفحة من نار..

وإذا كان الأمر كذلك ، فلِمَ كانت أيام الاستعباد والتذلل الطويلة في الحياة الدنيا؟ لِمَ كانت سني القهر والخوف والتبعيّة؟ أفما كان التحرّر ورفع الرأس بما يليق بكرامة الإنسان أليق وأجدى؟

ونمضي إلى صورة أخرى (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ) (5) .

فها هنا يسرع الطواغيت فيأخذون المبادرة قبل أن يسألهم الأتباع شيئاً فلا يقدرون عليه.. يسرعون فيعلنون براءتهم من الأتباع، فإن العذاب الذي يرونه واقعاً بهم ليقطع الأسباب!!

فما يكون جواب الأتباع ـ حماية لماء الوجه ـ إلا أن يعلنوا رغبتهم في العودة ثانية إلى الحياة الدنيا لكي يردوها في وجه الطاغوت، ويعلنوا تبرؤهم منهم!! ويقيناً أنهم ليسوا بفاعلين حتما لو استُجيبت أمنيتهم وعادوا إلى هناك .. فالنفوس التي تنحني للظلم يلويها الظلم، ولن يكون بمقدور ألف عودة إلى الحياة الدنيا أن تعيدها إلى سويّتها.. وتلك هي مأساة الاستعباد .. إنها تقتل الإنسان .. تقطع آخر خيط في قدرته على التشبث بالرفض والمقاومة حماية لحريته وكرامته ..

ومهما يكن من أمر فإنه لا الطواغيت ولا الأتباع بقادرين على فعل شيء، وإنما هي أعمالهم تظهر أمامهم حسرات، في ساحة النار التي لن يخرجوا منها بحال ..

في سورة (سبأ) نلتقي بمشهد آخر حيث يدور هذا الحوار (... يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ) فيردّ الذين استكبروا: (أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ) ويجيب الذين استضعفوا: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنْ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (6) .

فهاهم جميعاً، التابعون والمتبوعون، وبعد أن وقعوا في قبضة العدل الإلهي، ورأوا العذاب الذي لن ينجو منه تابع ولا متبوع.. هاهم يمارسون ما يمكن تسميته (بالتعليق) .. يتخذ كل طرف من الطرف الآخر مشجباً يسعى إلى وضع خطيئته عليه لكي ينجو بجلده .. ولن ينجو أحد .. فالمعادلة القرآنية واضحة لا تقبل نقضاً ولا تبديلاً: إن الخضوع للطاغوت الذي يحكم بما لم ينزل الله (جريمة) يُعاقب عليها صاحبها تماماً كما يُعاقب الطاغوت الذي يقسر الناس على التعبد له من دون الله سواء بسواء .. ولن يجدي النقاش.

ويتكشف عبث لعبة تعليق المسؤولية هذه أمام الحقيقة النهائية التي يمنحها القرآن، وفق طرائقه الفنية، لقارئيه .. فبينما يغرق المخدوعون في مناقشات طويلة معتقدين أن بمقدور أحد الطرفين أن يوقع بالآخر.. ينظر الإنسان ـ من الخارج ـ فيعرف مقدماً عدم جدوى هذه المحاولات .. لقد قُضِي الأمر وليس ثمة بعد اليوم من معذر.. وكما أن الطغيان أمر مرفوض ومعاقب عليه، فإن التبعيّة والمذلة أمران مرفوضان ـ أيضاً ـ ومعاقب عليهما.. ومن ثم يعقب القرآن الكريم متحدثاً عن الطرفين (..وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (7) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت