ولم يقل كتاب الله: إن الأغلال كانت من نصيب الطواغيت فحسب، بل جعل الطرف الآخر ـ كذلك ـ يرسف في قيودها .. الطرف المستعبد، المستضعف .. لماذا؟ لأن تعبّدهم وتذلّلهم كان عملاً ممقوتاً ومرفوضاًَ، وكان لابد من أن ينالوا جزاءهم على العمل الممقوت والمرفوض.. إنهم كانوا ـ كما قال أسيادهم ـ يحملون الاستعداد الدائم لممارسة الجريمة .. جريمة الطاعة لمن لم يحكم بما أنزل الله ..
وفي سورة الأعراف ، حيث يدّارك الطواغيت والمستضعفون من أتباعهم في النار، نسمع هذا الدعاء الحار من المستضعفين وهم يشيرون بأيديهم إلى الطواغيت (رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ) ويكون الجواب الصارم جزاء مضاعفا بحجم الجرم الذي مارسه الطرفان معا: التابع والمتبوع )قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ (8) ويستمر الحوار في جو من اليأس الخانق فتقول أولاهم لأخراهم (فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ) (9) .
إن تبعيّتهم نفسها ترمى بوجوههم من الأسياد فما كان لهم عليهم فيها من فضل!! لقد استسلم الضعفاء وأيقنوا وقوع العذاب بهم، لكنهم يريدونه مضاعفاً لأسيادهم معتقدين أن جرمهم أكبر.. ولكن كتاب الله يضع الموازين القسط فيضاعف العذاب للطرفين.. لماذا؟ لأن التذلل للطغيان، وأتباعه، هو بحجم الطغيان نفسه.. سواء بسواء..
وفي سورة الأحزاب يتكرر دعاء المستضعفين، ويتردّد نداؤهم مرة أخرى: أن ينال أسيادهم ضعفين من العذاب وأن تحل بهم لعنة أكبر، معتقدين أن هؤلاء الأسياد يقفون وراء ضلالهم في الحياة الدنيا، وما درَوْا أنهم هم، التابعون، صنعوا مأساتهم بأيديهم.. يتردد النداء، ولكن القرآن هنا لا يجيبهم بشيء؛ لأن تركهم هكذا دون جواب أبلغ من أي جواب (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السبيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا) (10) .. لكأنه بعدم رده عليهم يريد أن يقول لهم موبخا مبكّتاً: ولِمَ أطعتموهم..؟
وثمة في سورة إبراهيم هذا الحوار المؤثر بين الطرفين (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ) . (11)
إن الأتباع هاهنا يسلكون طريقا آخر، إنهم يتجرّعون غضبهم على أربابهم، ويكبتونه في نفوسهم، ويتقمصون موقف المتوسل علّ طواغيتهم الذين قادوهم في الدنيا يواصلون قيادتهم في الأخرى، ويقدرون تبعيّة أذنابهم حق قدرها، فيسعون للتخفيف من العذاب الواقع بهم.. ولكن هؤلاء الأرباب يعرفون النتيجة سلفاً، وإذا كانوا في الحياة الدنيا قد قادوهم إلى البوار، فإنهم هاهنا غير قادرين على شيء، فبأي وجه يسعون للتخفيف عنهم؟
إن الطرفين يقعان في دائرة الجزاء، وسواء عليهم أجزعوا أم صبروا فما ثم من محيص!!
ويتخذ القرآن الكريم من فرعون مصر رمزاً للطاغوت في كل زمان ومكان.. أي فرعون؟ إن القرآن لا يسميه.. إنه يطرحه رمزاً مجرداً عن اللحم والدم والشخصية.. إنه طاغوت وكفى.. والحق أن طواغيت العالم كله يتشابهون، ليس ثمة تميز واضح بين أحدهم والآخر، إنهم (نوعياً) سواء، ولكنهم قد يختلفون بالكمية .. بحجم الطغيان ودرجته وقسوته وعنفه.. ولكنهم يبقون متشابهين كالأرقام الصّماء .. نفس الشهوة الجارفة للحكم والسلطان.. نفس الرغبة العاتية في الاستعلاء والامتلاء.. نفس الدافع الرهيب لإذلال الآخرين واستعبادهم.. نفس الهوى الجارف لتدمير شخصيات المتفوقين وتفكيكها وسحقها.. نفس التشنج والجنون إزاء أي اعتراض أو رد أو مناقشة أو مجابهة.. ومن أجل ذلك من أجل أن الطواغيت كلهم فرعون، ومن أجل أن فرعون هو كل واحد من هؤلاء الطواغيت.. فإن القرآن الكريم لا يسميه!!
وبدلاً من ذلك يريد أن يتخذه وسيلة إيضاح، مجرد أداة، لدعوته الصارمة الجازمة إلى رفض الطاعة.. رفض العبودية والتذلل والذوبان في كيان المستكبرين.. وكما كان فرعون ـ تاريخياً ـ أداة بيد قدر الله، ضُربت بمصيره الأمثال، فإنه ـ موضوعياً ـ كذلك أداة يعتمدها القرآن لتصوير موقف الطاغوت والتحذير منه في الوقت نفسه، وهو يسلّط الأضواء عليه من كل زاوية لكي يكشفه على مداه، فيقف فرعون أمام الله والناس والتاريخ عارياً مكشوف الفكر والهوى والأهداف..
وفي مواضع كثيرة من كتاب الله تتوالى ضربات الفرشاة لكي تستكمل ـ بالكلمة ـ صورة هذا الكائن المقيت الذي جاء الإسلام لكي يستأصله من العالم ولكي يلحقه بفصيلة الديناصور المنقرضة.. ترى هل سيقدر على ذلك يوماً؟!
لنلقي أسماعنا إلى بعض هذه الضربات .. ثم نمضي إلى زوايا أخرى في الموضوع الذي بين أيدينا، فإن الحديث عن فرعون يطول..
(فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) (12) .