(وَإِنِّي لاظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا) (13) .
(وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى) (14) .
(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (15) (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ ويستحيي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (16) .
(وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ * وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ) (17) فماذا كانت النتيجة؟
(فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ* وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ* وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ) (18) .
(وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ* فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) (19) .. ومرة أخرى ماذا كانت النتيجة؟ (فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا للآخرين ) (20) .. فالعبرة في النهاية، كما يقول المثل المعروف.
والطاغوت الذي هو في النهاية (فبركة) بشرية متشابهة.. وعجينة واحدة .. قد يتغير جلده.. رداؤه الخارجي.. ملامح وجهه وديكوراته .. قد يميل إلى هذا الجانب أو ذاك.. وقد يهد هنا أو هناك.. وقد يهوى تنفيذ نزعته الطاغية بهذه الصيغة أو تلك.. قد يكون الطاغوت ملكاً أو أميراً أو رئيساً أو سلطاناً.. وقد يكون أباً أو جداً أو جيلاً من الناس.. وقد يكون غنياً أو مترفاً كثير العشيرة والأولاد.. وقد يكون مسرفاً أو مشعوذاً أو كاذباً أو ماكراً أو دجّالاً.. وقد يكون فاسقاً أو فاجراً أو كفاراً.. وقد يكون مجرماً أو شيطاناً مريداً.. وقد يكون ـ حتى ـ كاهناً أو راهباً أو رجل دين في نهاية المطاف!!
والقرآن الكريم يلاحق هذه الأنماط المختلفة من الطواغيت.. يلاحقها جميعاً ويدعو بصرامته الحاسمة إلى رفض طاعتها جميعاً!!
ورغم أن الله يعرف حق اليقين كيف يصدر هؤلاء جميعاً عن نبع واحد هو شهوة السلطان والتألّه على الناس، واستعبادهم، وصرفهم عن التوجه إلى خالقهم جل وعلا.. ويعرف، حق اليقين، المستنفع الواحد الذي تصب فيه هذه الشهوات على اختلاف أنماطها، فإنه يسعى إلى عرضها بأشكالها وصيغها المختلفة كي لا يندّ أحد منها على المؤمنين الجادين، وكي تكون كلها في دائرة الضوء، فلا يخفى منها نمط فيطعن من مكمنه ظهور المؤمنين، أو يلوح بإغراء غير مكشوف الأهداف للسذّج من الناس.. يدعوهم إلى طاعته..
إن القرآن الكريم يعرض علينا، في حشود من آياته البينات طوابير الطاغوت، وكأننا نشهد مهرجاناً أو عرضاً جماعياً.. تسير فيه أصناف المستكبرين، مصعّرة الخدود، ممطوطة القامات، منتفخة الأوداج .. يعرضها علينا جميعا ويدعونا إلى رفض طاعتها مهما تنوعت السمات واختلفت الملامح وتلوّنت الأردية ..
فلنقف قليلاً على طرف من الطريق لنشهد، في ختام رحلتنا هذه، جانباً من مهرجان الأرباب والطواغيت، ونسمع، عند مرور كل وجبة منهم، نداء القرآن الأبدي برفض الطاعة، بلسان الحال أو بلسان المقال.. والتشبّث بالحرية التي تليق بمكانة الإنسان: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (21) .
(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) (22) .