فهرس الكتاب
إندونيسيا ما تزال تواجه مشاكل التعددية الإقليمية والعرقية.
ولكن المشكلة الأكبر التي تواجه صياغة الهوية في كل هذه الدول هي غياب مساحة الحوار والتعامل السلمي الحضاري الذي يتيح إمكانية التوافق على كلمة سواء وفق اتفاق الحد الأدنى على ما يجمع ويحفظ المصالح المشتركة.
*المتتبع لتاريخ ظهور فكرة الوطنية في أدبيات الفكر السياسي في تجلياته المختلفة يلاحظ أنها كانت ليبرالية، ثم انتقلت إلى خطاب طاغٍ لدى التيارات العروبية؛ فهل ستحملها سنة التطور إلى وطنية إسلامية؟
الذي يحكم صياغة الهوية هو الإطار الذي تتحرك فيه الجماعة السياسية، إضافة إلى النظرة للتحديات السياسية القائمة والأطر الإيديولوجية المتاحة للتعامل معها.
في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين كان التحدي هو مواجهة التخلف الاقتصادي والتقني والسياسي الذي كان يهدد الدول الإسلامية في استقلالها؛ بل ووجودها. وهكذا رأينا نشأة الهوية الإيرانية والتركية والعثمانية والمصرية تحت قيادة نخب كانت تتهم الحكام وقتها بالمسؤولية عن التقصير. وهكذا رأينا الثورة الدستورية في إيران وثورة عرابي في مصر وحركة العثمانية الفتاة وتركيا الفتاة وثوراتهما ثم"الثورة العربية الكبرى."وقد قدمت هذه النخب خطاباً للهوية ركز على الأمة (في القطر المعني) ووحدتها وحقوقها في مواجهة الحكام، وحددت الهوية في إطار العدالة التي قامت فيها. الخطاب العروبي كان تطويراً للخطاب الليبرالي، إضافة إلى أنه كان استجابة لتحديات مقاومة الطغيان التركي ثم الاستعمار الغربي. وأخيراً استجابة للتحديات المتمثلة في قضايا التنمية وإسرائيل والجزائر وغيرها. فكما تأثر الخطاب في المرحلة الأولى بالفكر الليبرالي المهيمن في الغرب، وفكرة القومية القائمة على تقرير المصير للكتل القومية؛ فإن الحركات اللاحقة تأثرت بالفكر الاشتراكي والراديكالي والتحرري.
الفكر الإسلامي عبّر عن صحوة إسلامية استعادت فيها النظرة الإسلامية زمام المبادرة بعد أن زالت سطوة الانبهار بالنماذج الخارجية. ولكن الملاحظ أن الصحوة الإسلامية قامت في نفس الإطار القائم والمتمثل في الدولة القومية. ولكن هذا الإطار خلق مشكلات للفكر الإسلامي لم يستطع بعد تجاوزها كما أسلفنا؛ لأن الدولة القومية تجمع في إطارها جماعات غير مسلمة وقوى مسلمة تختلف حول تفسير المرجعية الإسلامية أو ترفضها كلية، وهذه القضية يمكن حلها إذا قام إجماع في بلد معين حول رؤية إسلامية للهوية والمواطنة، وهناك تقدم في الفكر الإسلامي باتجاه طرح من هذا القبيل، ولكن هذا الهدف لم يتحقق بعد.
* إذًا كيف تُقيم وتقرأ الأفكار التي قدمها منظرو التيار الإسلامي المعاصر حول قضايا المواطنة والأمة, وماطرح من حلول بشأن إشكالاتها؟
أحيل هنا مرة أخرى إلى المقالة التي أشرت إليها في مجلة"المستقبل العربي". ويمكن أن نقول تلخيصاً هنا إن الطرح الإسلامي شهد تطوراً باتجاه الاعتراف بالدولة القومية كإطار للجماعة السياسية، والقبول بحق الآخرين في عضوية هذه الجماعة.
ولكن الطرح الإسلامي لم يتوصل بعد إلى صيغة تعطي هؤلاء الآخرين حق المساواة الكاملة في المواطنة.
من جهة أخرى؛ فإن المسؤولية في حسم هذه القضية لا تقع على الفكر الإسلامي وحده، لأن القضية قضية حوار بين شركاء في المواطنة.
* في رأيكم هل كان استيعاب قيم الحرية والعدل والمساواة في الجانب العملي للدول العربية والإسلامية موازياً لاستيعاب مشروع الوطنية السياسي؟
إن أحد أهم الأسباب في تعثر تطور مفهوم واضح وقابل للتطبيق لقضية المواطنة هو مجافاة النظم القائمة لقيم الحرية والعدل والمساواة. فأصل فكرة المواطنة هو العضوية الكاملة في الجماعة السياسية على أساس المساواة الكاملة، ووفق نظام يتيح للجميع المشاركة الفاعلة في تسيير أمورهم. النظم القائمة في العالم الإسلامي مع استثناءات قليلة تحصر المشاركة السياسية الحقيقية في فرد واحد أو فئة حاكمة تعامل الآخرين كرعايا عليهم فقط السمع والطاعة. فبعض الدول تقسم المواطنة درجات، ولكن في واقع الأمر هناك مواطن واحد هو الحاكم، فرداً أو فئة، بينما لا يتمتع الآخرون بأدنى حقوق سياسية.
الفكر الإسلامي الحديث أغفل التركيز على قضية الحرية والمشاركة السياسية، رغم أن التاريخ الإسلامي وقيم الإسلام ركزت على قضية المساواة بين المسلمين ومسؤوليتهم التضامنية عن شؤون الأمة، ولكن الفكر الإحيائي الإسلامي بحسب تجلياته في فكر الحركات الإسلامية أو ممارسات الأنظمة التي تنادي بالإسلام قام على مفهوم الوصاية من قائد أو فقيه أو أمير يكون هو الواسطة بين الله والناس، والأمين على تطبيق الشريعة بمعزل عن الأمة.
وهذا فهم أقرب إلى الشرك، لأنه يعطي الحاكم قداسة وعصمة لا مكان لها في الإسلام، ويغفل دور الأمة ليس في الرقابة على الحاكم فقط، وإنما في المشاركة الكاملة الفاعلة في إدارة شؤون المجتمع عبر الشورى والنصيحة واستنباط الأحكام وردع الخارجين عليها.