فهرس الكتاب

الصفحة 6202 من 27364

ثانيا: أن انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي، وتزايد ثورة الاتصال والمعلومات، وبروز ما يسمى بنظام العولمة المبني على الأفكار الليبرالية، وتقليص دور السلطة وغياب مفهوم الدولة الشمولية، كل ذلك قد أدّى إلى تغيّر كبير في مفهوم الدولة والسلطة، وظهور تحولات عالمية كبيرة للتوافق مع المفاهيم الجديدة التي تنسجم مع مطالب المؤسسات الدولية الاقتصادية: IMF )) ، والبنك الدولي، والمؤسسات الأخرى وبروز نظام العولمة. في حين أن الجمهورية التركية التي أسسها (أتاتورك) مازالت تخضع للمعايير السابقة من الدور الكبير والمسيطر للسلطة، واقتصاد مبني على القطاع العام، بالإضافة إلى إعطاء دور سياسي مهم للجيش، وعدم الاعتراف الموضوعي بحقوق الأقليات..الخ (19) .

هذه (المفارقة) ، يعتبرها حزب العدالة نقطة رئيسة يمكن الانطلاق منها، وذلك بالاستناد على الخارج الغربي القوي، والذي كان يعد في السابق حليفا للجيش، إلاّ أنّه يوجه اليوم للعلمانية التركية انتقادات كبيرة؛ وذلك للخروقات التي تحدث فيها في مجال حقوق الإنسان والحريات العامة وحقوق الأقليات والفساد السياسي الذي طغى في الفترة الأخيرة بشكل كبير، ويطالب بإصلاح الوضع السياسي ليتلاءم مع المعايير الغربية، و تقليص دور السلطة والمؤسسات البيروقراطية (20) . وهذا يعطي الحزب دافعا كبيرا في مواجهة التسلط العسكري والتعنت من قبل المؤسسة العلمانية، من خلال الدعوة والتأكيد على ضرورة التخلص من انتهاكات حقوق الإنسان والحريات العامة التي تحدث في تركيا، ومواجهة الفساد السياسي المستشري هناك (21) ، وتبني مبادئ سياسية تقوم على المفاهيم والمعايير الغربية والأوروبية تحديدا ( Copenhagen C r ite r ia) لحقوق الإنسان والديمقراطية والحريات... ويطالب بالالتزام بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والإعلان الأوروبي وتوصيات قمة (هلسينكي) عام 1999 (22) .

كما أنّ هذه القضية من أبرز القضايا التي يتناولها برنامج الحزب الانتخابي ووثائقه المتعددة، حيث يدعو البرنامج الانتخابي للحزب بشكل أساس إلى بناء دولة المؤسسات والقانون، وإلى استكمال عناصر الديمقراطية دون إنقاص أو تحديد، ويرى الحزب أن مشاكل تركيا كلها بسبب نقص تطبيق الديمقراطية (23) . كما ينتقد الحزب في هذا المجال ضعف المؤسسات السياسية والفساد السياسي الكبير الموجود، ويعتبر أن من أهدافه الأساسية محاربة الفساد (24) .

ثالثاً: ما حدث من تطورات في النظام العالمي، والسياسة الخارجية الأمريكية، والعلاقة بين الغرب والإسلام خاصة بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) ؛ فعلى الرغم من إدانة الحزب للأحداث وإدانته للإرهاب الدولي (25) ، إلاّ أنّ الحزب التقط بذكاء إدراك مؤسسات سياسية وأكاديمية غربية بأن الاتجاه الشعبي العربي والإسلامي العام يؤيد ويناصر الحركات الإسلامية، وأن القمع السياسي والتهميش الاقتصادي هي شروط إنتاج ما تسميه استراتيجية الأمن القومي الأمريكي بـ (الدول الفاشلة) أو الهشة، وهي البيئة الحاضنة للإرهاب السياسي، وبالتالي حرص هذه المؤسسات الغربية على اختبار مدى القدرة على التعامل مع حركات وتوجهات إسلامية (معتدلة) ، ودراسة مدى نجاح العلاقة معها في حفظ المصالح الغربية، والتعامل بعقلانية مع القضايا السياسية (وفق المقياس الغربي) ، الأمر الذي سيتيح -إن حصل- احتواء المد الإسلامي بما لا يتعارض مع الأجندة الغربية في المنطقة، والوصول إلى معادلة تقتضي قبول هذه الحركات بسياسات التكيف الهيكلي، ومشاريع صندوق النقد الدولي والمؤسسات الدولية، والالتزام بالديمقراطية، وحقوق الإنسان والحريات السياسية والاقتصادية والدينية، وحريات وحقوق الأقليات، والتسوية السلمية مع إسرائيل، وبناء علاقة صداقة منفتحة مع الغرب (26) .

الجذور الإسلامية للحزب

فحزب العدالة والتنمية على الرغم من نفيه بأنه حزب ديني، إلاّ أنه يعرض نفسه بأنه يريد التأكيد على عدم وجود تناقض بين الديمقراطية والإسلام، وأنه يمكن أن يقدم إسلاما معتدلا في مواجهة الإسلام (الراديكالي) لحركات إسلامية أخرى (27) ، حيث يقول غول:"نريد أن نثبت ونبرهن أنّ الديمقراطية والإسلام لا يتناقضان ولا يتعارضان مع بعضهما البعض، وكل منهما يكمل الآخر" (28) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت