فهرس الكتاب

الصفحة 6203 من 27364

من هنا يكون التوجه المتوقع للولايات المتحدة وأوروبا هو مطالبة الجيش بإعطاء الحزب فرصة في اختبار التعامل معه، بدلاً من الطبقة السياسية الفاسدة التي كانت تحكم تركيا- كما تصفها المؤسسات الغربية- وباعتباره كذلك يمثل الاتجاه الشعبي العام، وهذا ما حصل فعلا عندما رحبت الولايات المتحدة وأوروبا بنتائج الانتخابات وفوز الحزب (29) ، كما أنّ هذا يساعد الحزب على الوصول إلى تحييد الجيش من خلال الإصلاحات الديمقراطية والتوافق مع المعايير الغربية، وهي شرط لانضام تركيا للاتحاد الأوروبي كما سيأتي، وصولا إلى إلغاء دور الجيش نهائيا في الحياة السياسية. بمعنى آخر: إنّ رؤية الحزب لا تقوم على مواجهة الجيش بالشعار والأيدلوجيا الإسلامية، وإنما بالمطالب الغربية الأوروبية والأمريكية بضرورة القيام بإصلاحات سياسية وديمقراطية، تحد من انتهاكات حقوق الإنسان والحريات العامة، هذه الحريات والحقوق التي ستتيح مساحة أكبر وأفضل لحركته السياسية، وحصوله على مكتسبات واقعية تخرجه من حلقة الصراع مع المؤسسة العسكرية.

لكن يبقى السؤال الآخر حول مساحة التمييز بين التكتيكي والاستراتيجي في خطاب الحزب السياسي ،بخصوص الشعار الإسلامي والعلاقة بين العلمانية والإسلام؟ فهل تخلي الحزب عن شعاره وبرنامجه الإسلامي هو تخلٍ تكتيكي مؤقت، في مواجهة مؤسسة الجيش والعلمانية، وتحايل على الواقع السياسي التركي؟ أم أنّ الأمر يصل إلى حدود حدوث تغييرات استراتيجية في نمط تفكير ورؤية الحزب؟..

يمكن القول -بالاستناد إلى تصريحات قيادة الحزب وإلى البرنامج المطروح- أن هذه الرؤية هي التي سيعتمدها الحزب ليس فقط على المدى القصير، وإنما على المدى البعيد نسبيا، وهذا ما يؤكده أردوغان بقوله:"إنّ هذه هي رؤية الحزب الحقيقية، وسيلاحظ المتتبعون له صدقه في الالتزام بهذه الشعارات" (30) .

كما أن هذه المعادلات الدولية والإقليمية والمحلية التي ساهمت بشكل كبير في إدراك الحزب وبناء خطابه السياسي لا يتوقع لها أن تزول بين يوم وليلة، ولكنها بحاجة إلى وقت طويل.

ولكن ماذا يبقى من الجذور الإسلامية التي يحملها قيادات الحزب وفق ما سبق؟..

يرى بعض المحللين: أنّ الصراع مع المؤسسة العسكرية والعلمانية في تركيا يفرض على الحزب القبول بالحد المتاح من المطالب وصولا إلى الأكثر، فالحديث الدائم عن الحرية الدينية يعني وقف ومنع تدخل مؤسسة الجيش ضد الممارسات الإسلامية الاجتماعية، كالحجاب والمدارس الدينية التي يفتقدها المجتمع التركي الآن، وهي موجودة ومعترف بها من قبل غالبية الدول العربية، وليست مطلبا للحركات الإسلامية العربية، أيضا الإصرار على المؤسسة الدينية على أنها جزء أساس من المجتمع التركي ومشكّل أساس لهويته، والذي يصفه الحزب بأنه مجتمع مسلم معاصر؛ أي يجمع بين الإسلام والحداثة، وهذا أيضا يعدُّ اختراقا موضوعيا غير مباشر لمبادئ الكمالية التي أرادت أن تفصل تركيا عن محيطها الإسلامي، وهو سير في الطريق العملي للخروج من الديكتاتورية العلمانية الأتاتوركية المسيطرة هناك (31) . وفق استراتيجية تدريجية تقوم على الطريقة الإنجليزية Slow but su r e""

بينما يرى آخرون أنّ الحزب قد تخلّى نهائيا عن هويته الإسلامية وطروحاته السابقة، وأنّه بدأ يتوجه بشكل مختلف تماما عما سبق، ويستشهدون بتصريح أردوغان لأصدقاء عرب مقربين له: أننا قد غيّرنا موقفنا فلماذا لا تريدون أن تصدقوا ؟، ويدللون كذلك بالعلاقة الجيدة التي يريد الحزب إقامتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وقبوله بسياسات التكيف الهيكلي (32) .

في حين يرى آخرون أن رؤية حزب العدالة والتنمية المرنة للإسلام تتجاوب مع الحس العام، والفهم التركي المعتدل للإسلام -على النمط الأوروبي-، حيث يميل الأتراك إلى نمط من الإسلام المتصالح مع الثقافة الغربية (33) .

(1) هي طريقة فرنسية اتجاه الدين، وتقوم على نظام عسكري أكثر منه علماني، متأثرة بحالة فرنسا خاصة خلال فترة الجمهورية الثالثة (1870-1940) في هذه السنوات السبعين كان السياسيون الذين يذهبون إلى المعبد في يوم الأحد غير قادرين على الدخول إلى المجلس الوزاري. انظر:Binnas Top r ak, r eligion and State in Tu r key (a lectu r e at a dayan cente r on 20 June 1999.

(2) انظر محمد نور الدين، مستقبل الحركة الإسلامية في تركيا، في: محمد الأرناؤوط، بعض قضايا العالم الإسلامي في القرن العشرين، منشورات جامعة آل البيت، 2001، ص120. وانظر: Pulent Ali r iza & Seda Ciftci, Tu r key's post-Election, Political Landscape, Tu r key P r og r am, Cente r Fo r St r ategic and Inte r national Studies, www.csis.o r g/tu r key/TU021108.htm. Novembe r 08, 2002.

(3) انظ: فهمي هويدي، قراءة أخرى للمشهد التركي، العرب اليوم 10/12/2002.

(5) توفيق شومان، أردوغان رمز"الإسلاميين الجدد"وقائدهم من الأيدلوجيا إلى البرنامج، الحياة 4 كانون الأول 2002.

(6) انظر البرنامج الانتخابي لحزب العدالة ( المبادئ السياسية) www. Akpa r ti.o r g.t صلى الله عليه وسلم p r og r ameng3.asp.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت