فاستطاع جيل الجهاد والاستشهاد أن يحيي المفهوم الصحيح للجهاد في الإسلام، الموافق لما جاء به رسول الله (:"الآن نغزوهم ولا يغزوننا"(الحديث) ، أو كما جاء في كتاب الله تعالى: {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (المائدة: 23) . فرأينا كيف انقلبت معادلة الصراع بيننا وبينهم، وصاروا يترقبون ضربات وهجمات المجاهدين في كل حين، فانقلبت حياتهم إلى جحيم لا يُطاق، وقذف الله في قلوبهم الرعب، مما أدى إلى إرباك حساباتهم وإضعاف استراتيجية هجومهم، وضيعوا جهودهم وأموالهم في إيجاد وسائل للدفاع بدلاً من تطوير وسائل الهجوم، فتحقق بفضل الله تعالى للمسلمين شيء مما كانوا يتمنونه، وهو إرعاب العدو وإرهابه في عقر داره، وتحويل ديار هذا الأخير إلى ساحة للمعركة بدلاً من أن تظل بلداننا هي وحدها أرض لها.
خامساً: تجسيد هذا التجاوب والتعاطف من قبل المسلمين عامة وشباب الإسلام خاصة، بإنشاء تنظيمات وتجمعات جهادية محلية ولو في معزل عن تنظيم قاعدة الجهاد أو حركة طالبان، اللذان يشكلان رأس الرمح في مواجهة هذه الحملة الصليبية القائمة.
فقد رأينا - بحمد الله تعالى - ظهور العديد من التجمعات الجهادية هنا وهناك، تأخذ زمام المبادرة في ضرب مصالح العدو الإستراتيجية المنتشرة في بلداننا - وما أكثرها -، ودخلت بذلك في الصراع مباشرة بتوسيع دائرة الحرب، وإشغال العدو أكثر ودفعه إلى بذل المزيد من الجهد وحشد المزيد من الإمكانيات المادية والبشرية لمواصلة هذه الحرب.
فكان من نتيجة هذه الثمرة المباركة، أن صارت أراضينا وأراضيه ساحات لهذه الحرب، مما دفع بالعدو إلى تشتيت قوته وعدم الاستطاعة على التركيز في هذه الحرب، وهذه بداية هزيمته بحول الله.
سادساً: أبرزت هذه الحرب الصليبية أن لا فرق بين الكفار الأصليين (الصليبيين واليهود) وبين الطواغيت المرتدين (الأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين) ، وبأن هؤلاء كالجسد الواحد، إذا ضربتَ واحداً منهم انتفض الآخر ليدافع عنه ويحميه. فالأنظمة المرتدة تحمي مصالح الأعداء في الداخل مقابل أن يحميهم الصليبيون واليهود من شعوبهم ويحافظوا على عروشهم وقروشهم، فالقاسم المشترك فيما بينهم هو المصالح ومحاولة الحفاظ عليها بالقوة، وعدوهما المشترك هو هذه الجماعات المجاهدة التي تعكِّر عليهم صفو أجوائهم وتدعو الشعوب المسلمة للانتفاضة وأخذ زمام أمورها بأيديها، وفق ما يمليه عليها دينها الحنيف.
فتحتم على هذه الجماعات إعداد برامج عملية جهادية لمواجهة أعداء الداخل والخارج، بحيث يكون هناك تكامل بين المشروع العالمي العامل على مواجهة العدو الخارجي والمشاريع القطرية القائمة لمواجهة أعداء الداخل، على أن يكون التركيز في المرحلة الراهنة على السند الرئيس لهذه الأنظمة المرتدة، وهو العدو الخارجي، وذلك بضرب مفاصله واستهداف مراكز الثقل في قوته، بقصد إرباكه ثم زعزعته لكي ينهار في نهاية المطاف أو على الأقل لينشغل بنفسه، وهو ما يجعل مهمة محاربة الأنظمة الطاغوتية أيسر وأسهل.
سابعاً: من أهم سمات هذه الحرب - كما سبق الإشارة إليه - هو أنها جمعت الأحزاب الكافرة والمنافقة لإنشاء تحالفات عديدة وموحدة، بقيادة أمريكا، لضرب الإسلام ومحاولة القضاء على قوته. وهو ما دفع بالمسلمين الصادقين، وخاصة فصائل المجاهدين إلى التفكير في التحالف والتعاون لمجابهة هذه الهجمة الصليبية، وتحقيق أمره تعالى {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّة} . وقد تم ذلك أولاً على أرض أفغانستان، حيث اجتمع المجاهدون - من شتى بقاع الأرض - وشكلوا ما يُعرف بتنظيم القاعدة بقيادة الشيخ أسامة بن لادن، ثم توسع فيما بعد بانضمام العديد من المجاهدين الآخرين وفي مقدمتهم تنظيم الجهاد المصري بقيادة الشيخ أيمن ظواهري، فتشكل ما عُرف بتنظيم"قاعدة الجهاد"، وهو تنظيم أوسع وأكبر وأقوى.
وثانياً على مستوى الأمة ككل، بدأت الكثير من التنظيمات المجاهدة في توسيع دائرة التحالف والتنسيق فيما بينها، لمواجهة هذه الحملة الصليبية التي تتهدد وجودهم، فتحقق بالفعل هذا الأمر ورأينا - بحمد الله - تعاوناً وتنسيقاً كبيراً بين شتى جماعات الجهاد، بالرغم من شدة الحصار وضيق السبل وقلة النصير، والدليل على نجاح هذا الأمر هو هذه العمليات الجهادية المباركة المتواصلة، التي تُحدث أكبر الضرر في جسد العدو، ولا يستطيع أن يوقفها أو حتى تفاديها. ونحن نعلم أن سر قوة المسلمين تتجلى في توحيد جهودهم وجمع صفوفهم، فإن تعذَّر عليهم ذلك لظروف قاهرة، فلا أقل من تحقيق هذا التنسيق والتعاون، وتفادي الفرقة والاختلاف.
ثامناً: إحياء فريضة الاستشهاد والتسابق إلى الموت قصد الفوز بالشهادة، الذي أصبح منتشراً ويكتسح الساحة، هذا في الوقت الذي نرى فيه هجراناً لمتاع الدنيا وشهواتها.