المهم، تأثيرات الصوفية في فكر المسلمين أشكال وألوان، ومنها على سبيل المثال الإفراط في الطمأنة المستندة إلى التفسير التفصيلي للمبشرات، والذي يوحي للمسلم بالإعفاء من المسؤولية أمام الواقع، مما يساعد على إشاعة جو الانتظار السلبي، وبالتالي تكون النتيجة هي ضعف أو انعدام الأداء الميداني اتكالا على الغيب. أضف إلى ذلك أن المبالغة في التفسير التفصيلي للمبشرات وإسقاطها على جزئيات الواقع غالبا ما يؤدي إلى التأثير على خطة الموقف العملي، وقد يكون التفسير والإسقاط خاطئاً فتكون النتيجة الهزيمة الساذجة.
ليس القصد هو الطعن في البشائر التي جاء بها الوحي الصحيح، أبداً، فهي بالنسبة إلينا حقائق لا تقبل التشكيك، ولكن القصد هو التحذير من الخطأ المنهجي الذي يقع أثناء التعاطي مع هذه المبشرات، إذ قد صارت عند البعض أداة للتخدير، حيث وصل في ارتباطه بالتفسيرات الاجتهادية لتلك المبشرات إلى درجة أنها أصبحت هي الإطار الذي تتحرك خطة الحرب من داخله، وبدا وكأن الإجراءات العملية قد أوكل القسط الكبير منها إلى شخصية"السفياني"أو إلى عالم ما"وراء السنن".
المبشرات حق، وهي من العوامل التي تفتح لنا نوافذ الأمل، وتمنحنا مزيدا من قوة الدافع نحو العمل، فنتعامل مع الهدف بإصرار يغذيه الاطمئنان إلى النصر الإلهي، وهو ما يمنع تسرب اليأس ويسد الباب أمام الإحباط، ولكن هذا كله شيء، والمبالغة في التعلق بالإسقاط الاجتهادي للمبشرات على الواقع شيء آخر، وإذا كان الصحابي الجليل قد كتم حديثا له علاقة بتبشير الموحدين بالجنة مخافة أن يتكلوا ولم يخبر المسلمين بهذه البشرى إلاّ تأثما، مع العلم أنها حقيقة قطعية، فما بال البعض يبالغ في ربط الناس بقوة باجتهادات يعلم الجميع أنها لا ترقى إلى درجة اليقين؟
على أيٍ، إذا كانت صوفية الأمس قد ساعدت على السلبية عن طريق الانعزال وترك الحياة العامة في سبيل تحقيق أذواق غامضة يصعب استجلابها إلاّ في أجواء الخلوة، فإن صوفية اليوم تساعد - وبامتياز - على ترسيخ عقلية ونفسية التواكل السياسي، إما عن طريق إدخال المسلمين في جو جنائزي يفقدهم التوازن الفكري والنفسي، وإما عن طريق الطمأنة الزائدة التي تفتح الباب أمام أجواء الاسترخاء، والنتيجة في كلتا الحالتين هي التواني في الجانب العملي وضعف الأداء الجهادي.
وقريبا من هذه الصوفية الكلاسيكية نجد هناك صوفية تقدمية، صوفية لا تلغي مبدأ الأخذ بالأسباب بشكل صريح، ولكنها تقفز على منطق التناسب في هذه الأسباب، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالأسباب"المتعبة" (الجهاد مثلا) ، فهي تحاول أن تكون متفاعلة مع الواقع ولكن في حدود معينة، مما يدفعها إلى أن تتخذ من أسلوب الالتواء سبيلا لترك الأسباب المناسبة والاستعاضة عنها بأعمال يُزعم أنها قد تحقق الأهداف، أي أننا أمام"صوفية حركية".
فلكي نُفشل الهجمة الصليبية وندحر الاحتلال (ومنه القواعد العسكرية) ، تقترح علينا هذه الصوفية مسألة الإكثار من مذكرات النصيحة لـ"ولاة الأمر"، أو المزيد من خطابات التعايش مع الآخر، وفي حال التصعيد فلا بأس بالوقفات الاحتجاجية!! لأن هذه الأعمال في رأي"الصوفية الحركية"أسباب كفيلة بإفشال الهجمة الصليبية أو ربما استئصال فكرة الاحتلال أصلاً!! وأنت ترى أن هذه الألاعيب ما هي إلاّ عملية قفز على منطق التناسب في عالم الأسباب، لأن الاحتلال لا يدحر إلاّ بالجهاد، بكل ما تحمله الكلمة من معاني الحرب الإسلامية المتعددة الجبهات، وفي مقدمتها الجبهة العسكرية، ولكن"الصوفية الحركية"تريد أن تمرر تخاذلها أمام المسلمين عن طريق"الحال الفكري"، فتصور تحركها خارج دائرة التأثير الفعلي على أنه من تجليات الحكمة في العمل، بالتالي نجد أنفسنا أمام رؤية حركية"حالية"لا تستمد صوابها من القوانين التي تضبط الحياة، بقدر ما هي حلول ناقصة تريد أن تتفاعل مع الواقع لكن في حدود ما لا يجلب المتاعب، وخاصة إذا كانت سياسية.
ولذلك لا داعي للاستغراب كثيرا إذا رأينا السلبية أو حتى سمعنا التخريف الفكري يأتي من بعض دعاة أهل السنة!! لأن"الصوفية الحركية"قد استطاعت التكيف مع الأجواء السنية، ولم يتطلب منها الأمر في كثير من الأحيان إلاّ بعض"الروتوش"السلفي الذي يظهرها بريئة من التأثر بالبدعة، بل ويضعها فوق الاتهام. وإلاّ كيف نفسر أنه بينما الحملة الصليبية المعاصرة في أوج هجمتها على ديار المسلمين نجد البعض منشغلاً بالبحث عن أفضل الشروح على متن"نخبة الفكر"أو بالجدال حول حكم التصوير، تماما كما كان يفعل الصوفية حين أغار الفرنجة على"المنصورة"في القرن السابع الهجري، حيث كانوا يجتمعون لقراءة"رسالة القشيري". إنه ليس بإمكاننا أمام هذه المواقف الهزيلة إلاّ أن نقول: لقد أصبحت فكرة العلم عند البعض والتربية عند البعض الآخر عبارة عن عملية إلهاء للمريد الحركي، القصد منها الدفع باتجاه تفجير الطاقة الإسلامية فيما وراء عالم الواقع، ليبقى الاحتلال المباشر وغير المباشر جاثما على صدر الأمة دون"مشاكل".