ثالثاً: لا ينبغي أن يغيب عن البال أنّ الكساد الذي سيصيب الشركات المنتجة والمصدرة سيعود سلباً على حجم الضرائب المدفوعة قصراً للحكومة الفدرالية فضلاً عن عشرات الألوف من الموظفين والعمالة المسرحين في الشوارع ، والذين سيشكلون عبئاً ثقيلاً على ميزانية الضمان الاجتماعي أو إضافة جديدة لقائمة اللصوص وتجار المخدرات ، أو قنابل موقوتة تنتظر لحظة الانتقام من المجتمع الأناني فاقد الرحمة !!
ولا يزال الراصدون يذكرون الأزمة الاقتصادية الخانقة التي أصابت الأسواق الغربية في مقتل إبان الثلاثينات الميلادية والتي عرفت باسم (الكساد الكبير) وظلت تمثل إلى اليوم كابوساً مخيفاً لأرباب رؤوس الأموال لا يطيقون له ذكراً ! !
رابعاً: آلية المقاطعة:
إنّ ممّا يساهم في نجاح المقاطعة هو الواقعية في تنفيذها فليس من المعقول أن نقاطع ما لا بد منه أو نسرف في شراء كل شيء بحجة أنه مباح مع وجود البديل المماثل بل والأفضل فكلا طرفي قصد الأمور ذميم . فالأحوال إذاً كما يلي:
-هناك من الناس من يقوي على مقاطعة كل منتج مستورد , ابتداء كما أسلفت من المشروبات الغازية, ومروراً بالوجبات السريعة و البيتزاهت وعروجاً على الملابس, وانتهاءً بالسيارات فمن وجد لدى نفسه الحماسة الكافية والإصرار الأكيد على الاستغناء عن كل ما ذكر فحسن فعل, ولا ينبغي تخذيله أو توهين عزيمته, أو تعييره عند اضطراره لشراء شيء من (المحظورات) !
-هناك فئة أخرى قادرة على الاستغناء عن بعض المنتجات لكنها لا تقوى على مقاطعة بضائع معينة و أصناف محددة فيقال: ما لا يدرك كله لا يترك جله فقاطعوا ما استطعتم وأعانكم الله فيما عجزتم .
-هناك فئة أخرى بلغت من السلبية درجتها القصوى وعجزت كبح جماح رغبتها وأهوائها؛ فتُجادل بالتي هي أحسن دون تثريب أو تجريح فلا ينبغي أن تكون فكرة المقاطعة سبباً في (القطيعة !!) أو إذكاء نار العداوة بين أبناء الأمة الواحدة, وحتى لا يستفيد العدو الكافر من حيث أردنا خسارته !!
خامساً: يستعجل البعض النتائج, ويستشرف الآثار في الحال, ويظن أن مقاطعة أمبروطوريات عريضة من رؤوس الأموال والشركات الضخمة سيؤدي إلى انهيارها في ظرف شهر أو شهرين, أو السنة والسنتين ، وهو ظن خاطئ لا يعرف الأناة والتريث , وموغل في التفاؤل إلى حد غير مقبول !!
والحق في هذا الصدد أنّ الثمار اليانعة قد لا يتأتى قطفها إلا بعد سنوات من القطيعة الجادة, وربما يتطلب الأمر تعاقب أكثر من جيل, لكنها حتمية الوقوع بإذن الله تعالى!! .
وماذا يضيرنا أن يتحقق المقصود على أيدينا, أو على أيدي الجيل الذي يلينا, وأجرنا وأجرهم على الله ؟ ّ!
سادساً: ينبغي لإنجاح المقاطعة بث الوعي في المجتمع؛ بكثرة الطرح والطرق لهذا الموضوع الهام ، من خلال الجلسات العائلية ، والجلسات الشبابية ، والمجالس العلمية, مع الحرص التام على سلامة الصدور, وألا يكون وجود بعض الأصوات المخالفة أو المخذلة سبباً في شيوع اليأس من النجاح ,أو إعاقة المسيرة فيجب أن نتوقع كل شيء ..
يجب أن ننتظر بكل تأكيد تلك الأصوات النشاز من مخذلين ومعوقين ومراهنين على الفشل, أو على الأقل تحقيق نجاح محدود, وإذا ظننا بأننا سنلقى تجاوباً مثالياً من الجميع؛ فهذا إيغال في الخيال وإسراف في التفاؤل, أتخوف من نتائجه العكسية على أنصار الفكرة !!.
ولا ينبغي أن ننسى طبيعة مجتمعاتنا المترفة, ونمط العيش السائد لدى الأكثرية, والذين تعودوا أن يجدوا كل شيء متوفراً- بحمد الله- فأصابهم ذلك بالخمول والدعة ، والإخلاد إلى ملذات الدنيا, حتى لم يعودوا قادرين على الزهد ببعض الكماليات ، إلى بدائل ربما تفوقها ترفاً وجودة ، والله المستعان .
ومما يساهم في نجاح فكرة المقاطعة, تشجيع التجار والمحلات التجارية التي لا تبيع المنتجات المزمع مقاطعتها والتواصي بذلك في كل مكان ، ومخاطبة التجار والمستوردين كي يحدوا من متاجرتهم ببضائع الأمريكان فالكلمة الصادقة ، والموعظة الحسنة تفعل الأعاجيب ، وقد خوطبوا من قبل بعدم بيع الدخان والمجلات الفاسدة ؛ فاستجاب الكثيرون فلم يعد غريباً أن تقرأ إعلاناً بارزاً على واجهة المحلات التجارية كتب فيه عبارة (لا نبيع السجائر) .
وأخيراً
فالمقاطعة هي اختبار حقيقي ومحك قوي لإرادة الشعوب والأفراد يتبين من خلالها مدى مصداقية وغيرة هؤلاء على دينهم ، ونصرتهم لقضايا أمتهم فالشعوب والأفراد الذين كانوا إلى عهد قريب يلقون بمسؤولية انتكاسة الأمة وخمولها على غيرهم, ويحملونهم كل جريرة وخطأ.
قد آن أوانهم الآن للقيام بدور عملي ميسور من خلال المقاطعة للكشف عن أصالة معدنهم ، ونضوج فكرهم ، وجاهزيتهم للبذل والتضحية فهل يفعلون ؟؟ .