فهرس الكتاب

الصفحة 13855 من 27364

وعلى الصعيد العملي التطبيقي يمثل نموذج ابن تيمية المجاهد صورة مشرقة للانفتاح. . فعلى صعيد الجهاد بالسنان: فإنه قاتلَ التتار ووقف مع من يحسبونَ خصومًا له، وهذا وإن عدَّ وجهًا مشرقًا لانفتاحه، إلاّ أن وعده إياهم بالنصر وجزمه بذلك وجهٌ آخر أكثر إشراقًا. وعلى صعيد جهاده باللسان: ما تميز به من حضور مجالس المناظرات التي فيها ـ كما هو معلوم ـ يطرح كل صاحب رأي ما يراه بدون أدنى تحرز ويجلب بخيل ورجل في عرض وتسويق فكرته وأدلتها وأوجه الخطأ في فكرة الخصم، وعلى الرغم من كل هذه العقبات والصعوبات والتحديات إلاّ أنه كان يحضر المناظرات في مجلس السلطان ـ أحيانًا ـ وعلى مرأى ومسمع من العامة والخاصة ـ أحايينَ كثيرة ـ دونَ أنْ يخاف التلبيس على العامة، وقد ذكر بعض المؤرخين حكاية تدل على أخذ ابن تيمية بالانفتاح الثقافي وتأييده له أنه وقفَ في صفٍ مقابل لخصومه من طوائف أخرى على ملأ من الناس، فكان ـ كما تعبر الرواية ـ بحرًا ثجاجًا صادف بحيرات، وكانوا ذرات صادفت جبلاً راسخًا، وكان لا يكل ولا يمل من المناظرة، بل كان يطلب المناظرة والمحاورة ابتغاءً للحق وطلبًا له، دونَ أن يتوجسَ أو يخافَ التلبيسَ على العامة.

ـ أيضًا ـ تمثل أسلمة شيخ الإسلام لبعض العلوم وسعيه في تنظيرها وتقويمها شرعيًا وجهًا مشرقًا لانفتاحه، وكذلك تجديده لبعض العلوم الشرعية الأخرى وتنقيته وتصفيته لها، وهو ما أظن المستشرق جولد زيهر قصده حينما قال: وضع ابن تيمية ألغاماً في الأرض. . فجّر بعضها محمد بن عبد الوهاب، وبقي بعضها لم يُفجّر حتى الآن! وحسبه أنَّ الأمة لم تشهد بعد عصر الصحابة مجددًا ومصلحًا مَثُلَ كمثله في شخصيته وظاهرته الثقافية.

وهكذا فقائمة (انفتاح شيخ الإسلام ابن تيمية الثقافي) قائمة طويلة، ومن أكثر المواضع لفتًا واستغرابًا ـ وهو حريٌ بأن يُبحث في دراسات مستقلةـ أنَّ النظر إلى ما قام به شيخ الإسلام أصبحَ بعين عوراء. فكثير من الباحثين ينظر إلى نتائج شيخ الإسلام ومخرجاته ويستفيد منها، غاضًا الطرف ومبعدًا البصر عن طرقه وأدواته ومدخلاته في الوصول إلى هذه النتائج. .

ختامًا: كثيرًا ما كُرّر هذا الموضوع ـ في التراث وحتى في هذا الزمان ـ، وطُرح من زوايا عديدة وبأسماء مختلفة، ففي السنوات الأخيرة ـ على سبيل المثال ـ ظهر بأسماء وأغلفة كثيرة: العولمة، الحداثة، التطبيع الثقافي، الحوار مع الآخر، الانفتاح، الابتعاث، صدام الحضارات. . . الخ.

وعلى الرغم من كثرة النزاعات إلاّ أنَّ الناس قد جبلوا في ذواتهم إلى إبداء الخصومة من الصفر لا من حيث انتهى سياق سابقاتها ـ إذا تماثل النموذج أو تقارب ـ، ففي كل مرة تطرح فيها (ثقافة الانفتاح الثقافي) باسم جديد يطرح التوجس ذاته: الخوف من التأثر! ويبقى السؤال: هل الثقافة والموروث الديني لدى المسلمين"الناضجين"من الهشاشة بحيث يُخاف عليه بذلك القدر من الحساسية والتوجس من الانفتاح"المرشّد"؟. . يُتساءل عن هذا، في وقتٍ يُدعى فيه إلى تمزيق مصادر لأهل السنة كفتح الباري لابن حجر، وإحراق المنهاج للنووي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت