فهرس الكتاب

الصفحة 3526 من 27364

وإن من أوجب الواجبات على العلماء في كل بلد إسلامي، أن يجتهدوا في نصح ولاة الأمر وعدم السكوت عن المنكرات التي تنتشر في الأمة، لأن ولاة الأمر عندهم من القدرة على تثبيت المعروف ومناصرته، وطرد المنكر وملاحقته، مالا يملكه سواهم، وإذا لم يتمكن العلماء من الوصول إلى ولاة الأمر مباشرة، فعليهم أن يكاتبوهم، ويحاولوا إيصال نصحهم بوساطة من يستطيع الوصول إليهم.

ويكون نصح ولاة الأمر أوجب على العلماء الذين تتاح لهم الفرص للاتصال بأولئك الولاة، لتمكنهم مما لم يتمكن منه غيرهم من أقرانهم، وفي سكوتهم عن المنكرات وعدم إنكارها بالأساليب المناسبة، خيانة لله ولرسوله ولولاة الأمر، ولعامة المسلمين، وإقرار للمنكر، وبذلك يتحملون من الإثم ما لا يتحمله غيرهم.

وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من كتمان العلم، ويخشى على من لم يقم به أن يقع فيما وقع فيه علماء أهل الكتاب الذين أنزل الله في كتابه الكريم هذا الوعيد الشديد: (( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون(159) إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم )) (60) [البقرة]

وقوله: (( (( إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ) ) (174) [البقرة]

وتطابقت السنة مع الكتاب في وعيد من كتم العلم، كما في حديث أبي هريرة عن صلى الله عليه وسلم قال: (من كتم علما تلجم بلجام من نار يوم القيامة [صحيح ابن حبان) (1/297) ]

وحديث عبد الله بن عمرو أن رسول ا صلى الله عليه وسلم قال: (من كتم علما ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار"صحيح ابن حبان(1/298) والمسند المستخرج على صحيح مسلم (1/41) "

ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعلماء الشريعة فقط، بل يجب على أعيان الناس، وقادة الفكر أن يقوموا بهذا الواجب، فيما لا يخفى عليهم من المعروف والمنكر، وعليهم مناصرة علماء الشريعة، في أمرهم ونهيهم، فعموم النصوص يوجب على الجميع القيام بهذه الفريضة: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) [صحيح مسلم (1/69) ]

ويجب على ولي الأمر أن يصغي لنصح الناصحين، ويقوم بتأييد المعروف ومناصرة أهله، وبإزالة المنكر وكبح جماح أهله، فالعبء الأكبر في هذا الباب - باب التناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - يقع على كاهل الحكومات في الشعوب الإسلامية، لأنها هي القادرة على حمل الناس على القيام بهذا الأمر وإلزامهم بقبوله، كما قال تعالى: (( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) ) [الحج (41) ]

وإن مما يؤسف له أن تنتشر المنكرات في الشعوب الإسلامية، بسبب تمكين كثير من حكوماتها لتلك المنكرات وتأييدها لها، ومحاربتهم من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من رجال العلم والدعوة، بدلا من قيامهم هم بهذا الواجب الذي هم أقدر على القيام به، لأنهم يستطيعون تغيير المنكر بأعلى مراتبه، وهي التغيير باليد، كما سبق قريبا في حديث أبي سعيد رضي الله عنه.

والحاكم الذي لا يقبل النصيحة، ويصر على السكوت عن ترك المعروف، أو فعل المنكر، هو من المفسدين في الأرض، ومن المتكبرين الذين تأخذهم العزة بالإثم، وإن أظهروا بألسنتهم ما يخدعون به شعوبهم من القول الحسن الذي يعجب سامعيه ويطربهم، كما قال الله في أمثاله: (( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام(204) وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد (205) وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد )) (206) [البقرة]

ومعلوم أن في صلاح ولاة الأمر صلاح رعاياهم - الغالب - وفي فسادهم فساد رعاياهم، لأنهم يدعمون صلاحهم أو فسادهم بما مكنهم الله تعالى منه من إمكانات الدولة، فيكون التعليم والإعلام والاقتصاد والمال والقوانين، والجيش والشرطة والاستخبارات، والحكومة بجميع مرافقها، محققة لما يدعمه الحاكم من صلاح أو فساد، ويكون ولي الأمر قدوة لشعبه في الصلاح والفساد، وقد شبه بعض العلماء القلب الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم (إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله) بولي الأمر مع رعيته، وله حظ وافر من قول الشاعر:

إذا كان رب البيت بالدف ضاربا=فشيمة أهل البيت كلهم الرقص!

المنطلق السادس:

العدل

المساواة

احترام الكفاءات

مراقبة أحوال الرعية وقضاء حاجاتهم

بناء اقتصادي متين

وإن من أشد الغفلات عند غالب المسلمين، عدم اهتمامهم بالأمور العامة، التي تعود مصالحها إلى الأمة كلها، والْحَوْلُ بينهم وبين ما يشتهون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت