ويجب على ولاة الأمر الأخذ بقاعدة الشورى حقيقة، وليس مظهرا دون مخبر، وأن لا يخصوا بها من يوافقهم في كل آرائهم ممن يتخذونهم بطانة لهم، فالغالب في أمثال هؤلاء أن يظهروا لهم الموافقة دون تمحيص وتأمل ونصح، حرصا منهم على نيل مصالحهم منهم من الحظوة والقرب والعطاء، ويحرصوا على حجب الناصحين عنهم خشية على مصالحهم، وإن حصل ضرر على من سواهم من الرعية، بل على ولاة الأمور أنفسهم... وفي ذلك ما فيه من العواقب الوخيمة التي قد يفوت تداركها...
وقد كان الرسو صلى الله عليه وسلم وأصحابه، يستشيرون الموافق والمخالف، كما في قصة غزوة أحد، حتى يصلوا إلى الصواب من الرأي، ثم ينطلق الجميع لتحقيق ما توصلوا إليه، متحملين ما يترتب على ذلك من مسؤوليات، راضية به نفوسهم، لأنهم شاركوا في الرأي وفي اتخاذ القرار...هذا عندما لا يكون في المسألة نص صحيح قاطع لا يحتمل التأويل، أما إذا وجد هذا النص الصحيح القاطع الذي لا يحتمل التأويل في معناه، فإنه يجب العمل به طاعة لله ولرسوله بدون تردد ولا مشورة...
المنطلق الرابع: التعاون على البر والتقوى... وليس على الإثم والعدوان،
إن من آفات المسلمين التي أفسدت حياتهم وشتت شملهم وصدعت صفوفهم، عدم سلوكهم جميعا صراط الله المستقيم، بل اتبع كثير منهم سبل الشيطان والأهواء، فتعاونوا على الإثم والعدوان، بدلا من التعاون على البر والتقوى، ووقف كثير منهم ضد دعاة الخير الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.
والأدهى من ذلك، تنازع من ينتسبون إلى العلم، وينصبون أنفسهم دعاة إلى الله، من جماعات وأحزاب، بل تجد جماعة واحدة أو حزبا واحدا، محددة أهدافهم، مقررة وسائلهم، ينشق عنهم فرد أو أفراد، ليكونوا جماعة جديدة، تصارع الجماعة الأم.
وإذا بحثت عن الأسباب لتلك الانشقاقات، لا تجد غالبا إلا الأهواء والاستجابة لوساوس الشيطان، في أحد الطرفين أو فيهما، والحرص على الزعامات، وحقيقته نسيان أمر الله بالتعاون على لبر والتقوى... (( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب ) )المائدة (2)
المنطلق الخامس: التناصح والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر وبهذه القاعدة العظيمة تحفظ الأمة الإسلامية ضرورات حياتها ومكملاتها، تحفظ دينها ونسلها ونفسها وعقلها ومالها، وما يكمل تلك الضرورات، بل تسعد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمم الأرض كلها، لأن الله تعالى أخرجها برسالة الإسلام لقيادة الناس إلى رضاه، كما قال تعالى: (( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) )آل عمران (110)
وإذا تخلت هذه الأمة عن التناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كان حظها الخسران في الدنيا والآخرة، واستحقت ما استحقته الأمم المتخلية عن هذا الباب العظيم، من لعنة الله وعقابها بالعداوة والبغضاء فيما بينها، وبذلك تفقد نصر الله وتنال بدلا منه الهزائم ويسلط الله عليها أعداء ها فيسومونها سوء العذاب.
قال تعالى: (( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) ) (78) كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون )) (79) [المائدة] فقد بينت الآية أن علة هذا اللعن لبني إسرائيل عدم تناهيهم عما فعلوا من منكر، وإذا تحققت هذه العلة في أي أمة استحقت لعنة الله.
وقال تعالى: (( ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون ) ) (14) [المائدة]
ومعنى إغراء العداوة والبغضاء بينهم إلصاقها بهم بجعلهم فرقا متنازعة فيما بينها، بسبب تركهم بعض ما ذكرهم الله به من الحق الذي جاءتهم بهم رسلهم... فترك شيء مما أمرهم الله به علة لإلصاق العداوة والبغضاء بينهم، وإذا وجدت هذه العلة في المسلمين، استحقوا ما استحقه النصارى من إلصاق العداوة والبغضاء بينهم، وهذا ما نشاهده اليوم في هذه الأمة من كثرة الفرق المتنازعة التي يكفر بعضها بعضا، والدول المختلفة التي قد يصل اختلافها إلى التقاتل والتقاطع...
وبينت سورة العصر، أن الناس كلهم يستحقون الخسران، إلا من اجتمعت فيهم خصال أربع، وهي: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.
قال تعالى: (( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) )وكم من الخسران نزل بنا ولا زال ينزل بسبب ضعف إيماننا، وفقدنا للتواصي بالحق والتواصي بالصبر الذي أراده الله منا؟
وقد يوجد من يقوم بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر، لأن هذه الأمة لا يمكن أن يفقد فيها من يبقى داعيا إلى الحق الذي أنزله الله، ولكنه قد لا يجد من يقبله منه قبولا يرضاه الله تعالى، فيكون وجوده شبيها بعدمه، فيترتب على ذلك ما يترتب على فقد التواصي بالحق والتواصي بالصبر...