والواجب على المسلمين إذا حصل نزاع بين طائفة وأخرى، سواء كانت بين أسرة، أو بين جماعة وأخرى، أوبين حاكم ومحكوم، أو بين دولة وأخرى، أن يقوموا بالصلح بين المتنازعين بالعدل، ليثبت الاعتصام بحبل الله والاجتماع على كلمته، وتزول أسباب التفرق والنزاع المؤدية إلى الفشل، وعلى علماء الإسلام ورجال الفكر ورؤوس أهل الحل والعقد، والأقوياء منهم، تقع المسؤولية العظمى في ذلك، ويجب أن يكون الصلح عادلا، لا يميل فيه المصلحون إلى طائفة دون أخرى...
فقد أمر الله بالصلح الأسري، كما قال تعالى: (( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا ) )النساء (35) ))
وأمر بالصلح بين المقتتلين، فقال: (( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ) )الحجرات (9)
وبين r أن إصلاح ذات البين، يفضل نوافل الطاعات المهمة، كما في حديث أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟) قالوا: بلى قال: (إصلاح ذات البين وفساد ذات البين الحالقة) أبو داود (4/280) والترمذي (4/663) وقال:"قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح"
وبين r أن وأن فساد ذات البين تستأصل دين المتنازعين وثوابهم،كما في حديث الزبير بن العوام أن صلى الله عليه وسلم قال (دب إليكم داء الأمم: الحسد والبغضاء، هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أنبئكم بما يثبت ذاكم لكم؟ أفشوا السلام بينكم) مسند أحمد (1/164) و الترمذي (4/664) قال في مجمع الزوائد (8/30) :"رواه البزار وإسناده جيد"
المنطلق الثاني: الحرية التي يستوي فيها الراعي والرعية والحاكم والمحكوم، فلا يحد حرية الفرد والأسرة والجماعة والدولة ويقفها، إلا تعدي صاحبها الحد المشروع وإلحاق الضرر بنفسه أو بغيره من عباد الله، فما دامت تصرفات المسلم محاطة بسياج شرع الله، غير معتدٍ بها صاحبُها على حقوق الله وحقوق عباده، فلا يجوز لأحد سلب حرية آخر...
لا فرق في ذلك بين التصرفات المالية، كسبا وإنفاقا، والآراء السياسية تأييدا أو نقدا، والنشاط الدعوي، والإعلامي والتعليمي، والتجاري والاقتصادي، وكذلك حرية التجمع الذي يقصد منه التشاور فيما يحقق جلب مصالح لعامة المسلمين أو لخاصتهم، مما لا يتعارض مع المصالح العامة، ولا يترتب عليه نزاع يصدع صف المسلمين ويفرق كلمتهم، وكذلك حرية التنقل في داخل البلد أو خارجه.
فهذه حقوق يجب أن تتمتع بها الشعوب والحكومات على السواء، ويدخل في ذلك غير المسلمين في الحدود التي منحهم الله في كتابه وسنة رسوله، وهي كثيرة جدا، فصلها الفقهاء في كتبهم، ومنها الكتاب القيم، لابن القيم:"أحكام أهل الذمة"
المنطلق الثالث: تطبيق قاعدة الشورى التي لا تستقيم حياة المسلمين إلا بها، ولهذا كانت من أهم صفات المؤمنين البارزة في العهد المكي: (( وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون(36) والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون (37) والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون (38) والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ))الشورى (39)
وأمر الله بها رسول صلى الله عليه وسلم في قضية معركة أحد، فقال تعالى: (( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ) )آل عمران (159)
وطبقها الرسو صلى الله عليه وسلم في شئون الحرب، في غزوات بدر وأحد، والأحزاب، وحنين، وفي المعاهدات، كما في قصة الحديبية، وعمل فيها بمشورة إحدى أزواجه...
وشاور أزواجه رضوان الله عنهن في بقائهن عنده، أو تسريحهن عندما نزلت الآية الكريمة: (( ياأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا(28) وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما ))الأحزاب (29) فاخترن الله ورسوله.
كما طبقها في شئونه الخاصة، كما قصة الإفك...وطبقها أصحابه رضي الله عنهم في شتى المجالات، وبخاصة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم... وقد ذكرت أمثلة متنوعة لذلك في كتاب"الشورى"