فهرس الكتاب

الصفحة 14029 من 27364

ما هو إلا القولُ ليسري فيغتدي

له غُرر في أوجهٍ ومواسم

يُرى حكمة مافيه وهو فكاهةٌ

ويُقضى بما يقْضي به وهو ظالمُ

ولولا خِِلالٌ سنَّها الشعرُ مادرى

بغاة ُالعُلا من أين تُؤتى المكارمُ (8)

وقد وصف ابن قتيبة الشعر بوصف بليغ فقال:"الشعر معدن علم العرب، وسِفْرُ حكمتها، وديوانُ أخبارها، ومستودع أيامها، والسورُ المضروب على مآثرها، والخندق المحجوز على مفاخرها، والشاهد العدل يوم النِّفَار، والحجة القاطعة عند الخصام، ومن لم يقم عندهم على شرفه، وما يدَّعِيه لسلفه من المناقب الكريمة، والفِعَال الحميد بيت منه، شذت مساعيه وإن كانت مشهورة، ودرست على مرور الأيام وإن كانت جساماً، ومن قيدها بقوافي الشعر، وأوثقها بأوزانه، وأشهرها بالبيت النادر، والمثل السائر، والمعنى اللطيف، أخلدها على الدهر، وأخلصها من الجَحْد، ورفع عنها كيدَ العدو، وغض عين الحسود" (9) .

أقسام الشعر:

إن المتأمل للشعر يرى أن له أقساماً فمنه ما هو حسن، ومنه ما هو قبيح، وهكذا، وقد أبان الإمام ابن قتيبة رحمه الله عن أقسام الشعر، فقال:

تدبرت الشعر فوجدته أربعة أضرب:

1-ضرب منه (حَسنٌ لفظه، وجادٌ معناه) كقول القائل:

أيتها النفس أَجْمِلي جزعاً

إن الذي تحذرين قد وقعا

2-وضرب منه (حَسن لفظه وحَلا، فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى) كقول القائل:

ولما قضينا من منى كلَّ حاجةٍ

ومسحَ بالأركان من هو ماسحُ

وشُدَّت على حُدب المهاري رحالُنا

ولا ينظر الغادي الذي هو رائحُ

أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا

وسالت بأعناق المطي الأباطحُ

3-وضربٌ منه (جادٌ معناه، وقَصُرت ألفاظه عنه) كقول لبيد بن ربيعة:

ما عاتب المرءَ الكريم كنفسه

والمرءُ يُصلحهُ الجليسُ الصالح

4-وضرب منه (تأخر معناه، وتأخر لفظه) كقول الأعشى في امرأة:

وفُوها كَأقَاحي

غذاهُ دائمُ الهطيلِ

كما شيب براحٍ بارد

من عسل النحلِ

وتقسيم ابن قتيبة لطيف، لكنه تقسيم من الناحية الفنية.

هذا وللشعر عند العرب في العصر الجاهلي أغراض متعددة، من ذلك: المديح، والتفاخر، والهجاء، والرثاء، والغزل وغير ذلك.

وقد امتاز شعرهم بقوته، وبلاغته، وسلاسته، وبُعْده عن حشو الكلام، إضافة إلى أنه في الغالب شعر واقعي، يقوم على نقل المشاهد الحسية دون إغراق في المعاني والأبعاد.

تلك إلماحة أردتها أن تكون موطئة لأصل البحث، والله الموفق.

الإسلام والشعر:

طغى حب الشعر ونظمه وإنشاده على قلوب الكثير في العصر الجاهلي، واستمر حتى بعد الإسلام، وإلى يومنا هذا، فقد كان الناس يستشهدون بالشعر في حلهم وترحالهم وسمرهم والمواقف التي تمر بهم.

لكن لابد أن نعرف أن الشعر في الإسلام يختلف تماماً عمّا كان عليه في العصر الجاهلي، فقد أصبحت أغراض الشعر تنحى باتجاه تهذيب الأخلاق، والاعتناء بالمبادئ والقيم، والمثل العليا والدعوة إلى توحيد الله، والحث على الجهاد في سبيل الله، والزهد في الدنيا، والوعظ والنصح، ونصر الدين، وهجاء أعداء الإسلام.

على أن أغراض الشعر الأخرى كالمديح، والرثاء، والغزل العفيف ونحو ذلك مستمرة، لكن السمة الغالبة هو ما تقدم ذكره.

حكم الإسلام في الشعر:

عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله:"الشعر بمنزلة الكلام، حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام" (10) .

وعن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول:"الشعر منه حسن، ومنه قبيح، خذ بالحسن ودع القبيح، ولقد رويت من شعر كعب بن مالك أشعاراً، منها القصيدة فيها أربعون بيتاً، ودون ذلك" (11) .

قال الجيلاني:"الشعر منه حسن، ومنه قبيح"أي: إذا حَسُنَ المعنى شرعاً فالكلام محكوم عليه شرعاً بالحسن، ولو كان اللفظ غير فصيح. وإذا قَبُح المعنى شرعاً لم يُحكم عليه بالحسن وإن كان لفظه فصيحاً. وهذا حق، ولكن الوزن وفصاحة الكلام يزيد الحسن حسناً كالحكمة، ويزيد القبيح قُبْحاً كالهجو، لأن الكلام الفصيح أجدر أن يُصغى له، ويُحفظ ويروى، وأشد تأثيراً في النفس" (12) ."

ولكن هناك آراء زعمت أن الإسلام وقف من الشعر موقف العداء، وذم الشعراء، وألحقهم بالغواة والمنافقين، واستشهدوا بالقرآن الكريم، وأوردوا آيات منه، قرأوها مُجَزَّأة مبتورة، ليصلوا إلى تأييد رأيهم السقيم، فقالوا: بأن الله ذم الشعر والشعراء في قوله الكريم: والشعراء يتبعهم الغاوون 224 ألم تر أنهم في كل واد يهيمون 225وأنهم يقولون ما لا يفعلون 226 {الشعراء: 224، 226} .

ووقفوا في قراءاتهم واستشهادهم عند هذه الآيات ولم يتموا القراءة؛ لأنهم علموا أنها لا توافق ما ذهبوا إليه.." (13) ."

ويحسن بنا أن نذكر ما ورد في مدح الشعر، وما ورد في ذمه، حتى نخرج بنتيجة مقنعة:

ما ورد في مدح الشعر:

وردت أحاديث وآثار كثيرة في ذلك منها:

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً - أو أعرابياً - أتى النبي فتكلم بكلام بَيِّن، فقال النبي:"إن من البيان سحراً، وإن من الشعر حكمة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت