وإن المتأمل في هذا الحديث الشريف يُدرك ثناء النبي على الشعر، كما يشعر في المقابل بتوجيهٍ رشيد لمضموناته، فقد نبه عليه الصلاة والسلام، المسلم إلى أهمية الشعر وأن فيه قيماً سامية، وأكد عليه الصلاة والسلام قوله ذلك بمؤكد لغوي هو: حرف التوكيد (إن) وذلك حتى يزيد الأمر في النفس ثباتاً واستقراراً... وغني عن البيان أن قول النبي:"إن من الشعر حكمة"يفيد أن منه ماليس كذلك، لأن (من) تبعيضية" (14) ."
وجاء في رواية أبي داود:"وإن من الشعر حُكْماً"وهو بمعنى: الحِكْمة، يدل لذلك قوله تبارك وتعالى: وآتيناه الحكم صبيا 12 {مريم: 12} .
وقد قال بعض العلماء بأن (السحر) الذي ذكره ، عن البيان ورد في مَعْرِض الذم، حيث شبهه بعمل السحر، لكونه يزين القبيح، ويقبح الحسن، فيكون معناه: أن صاحبه يكسب من الإثم ما يكسبه الساحر بعمله (15) .
ومنهم من رأى أن ذلك ورد مورد المدح، وعلى هذا يكون المعنى:"إنه تمال به القلوب، ويرضى به الساخط، ويذل به الصعب، ويشهد له: إن من الشعر لحكمة، وهذا لا ريب فيه أنه مدح."
والصواب: أن الأمر يختلف باختلاف المقاصد التي يراد بيانها، فإن كان البيان في أمر باطل فهو كذلك، وإلا فمدح لا محالة (16) .
وعن هذا الحديث بين الطبري بأنه: ردٌ على من كره الشعر مطلقاً.
قال الجيلاني:"سحراً"السحر ما لَطُف مأخذه ودق. والبيان اثنان: أحدهما ماتقع به الإبانة عن المراد بأي وجه كان، والآخر ما دخلته الصنعة، حيث يروق السامعين، ويستميل قلوبهم، وهو الذي يشبه السحر إذا خلب القلب، وغلب النفس، حتى يحول ذلك عن حقيقته، ويصرفه عن جهته، فيلوح للناظر في معرض غيره. وهذا إذا صُرِفَ إلى الحق يُمدح، وإذا صُرِفَ إلى الباطل يُذم. وقد حمل بعضهم الحديث على المدح، والحث على تحسين الكلام، وبعضهم على الذم لمن تَصنَّع في الكلام، وتكلف لتحسينه، وصرف الشيء عن ظاهره، والظاهرُ: أن المراد به أن الرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجة من صاحب الحق، فيسحر الناس ببيانه فيذهب الحق.
قال ابن بطال: أحسن ما يقال في هذا: أن هذا الحديث ليس ذماً للبيان كله، ولا مدحاً، لقوله:"من البيان"فأتى بلفظة (من) التي للتبعيض، وكيف وقد امتن الله به على صفوة خلقه قال: علمه البيان، وقد اتفق العلماء على مدح الإيجاز، والإتيان بالمعاني الكثيرة بالألفاظ اليسيرة، وعلى مدح الإطناب في مقام الخطابة بحسب المقام، نعم الإفراط في كل شيء مذموم، وخير الأمور أوسطها" (17) ."
وبالجملة: فلقد كان يقول عندما يستمع إلى رائع من الشعر أو النثر"إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحراً"، وكان يقول لشاعر الإسلام حسان بن ثابت:"أجب عني، اللهم أيده بروح القدس" (18) ، وقال:"أهجهم وجبريل معك" (19) .
وقال لكعب بن مالك:"أهجهم فو الذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل" (20) .
وعن أنس بن مالك أن رسول الله قال:"جاهدوا المشركين بأنفسكم، وأموالكم، وألسنتكم" (21) .
والأحاديث في هذه المعاني معلومة، وفيما أوردناه كفاية ودليل على مدح الشعر وأهله الصادقين.
ما ورد في ذم الشعر:
مَنْ ذمَّ الشعر وأهله استدل بقوله تعالى: والشعراء يتبعهم الغاوون 224 {الشعراء: 224} وسيأتي الكلام عليها لاحقاً.
واستدلوا بأحاديث منها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال:"لئن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه، خير له من أن يمتلئ شعراً" (22) .
وظاهر هذا الحديث أن الشعر مذموم بإطلاق.
ومعنى: (يَريَه) من الوَري، وهو داء يفسد الجوف، ومعناه: قيحاً يأكل جوفه ويفسده. ويصيب رئته ويفسدها.
وعن أبي نوفل بن أبي عقرب قال:"سألتُ عائشة رضي الله عنها: هل كان رسول الله يتسامع عنده الشعر؟ قالت: كان أبغض الحديث إليه" (23) .
وهناك أدلة أخرى في هذا المعنى، وقد أشكل على بعضهم ورود المدح، وورود الذم في الشعر، مما دفع العلماء إلى التوفيق بينهما، والتوجيه والتأويل، لدفع ما يوهم التعارض بين النصوص الشرعية، والتعارض هذا في الظاهر، وإلا فنصوص الإسلام متوافقة وهي من لدن حكيم خبير، والنصوص بعضها يوضح بعضاً، فما أُجْمِل في موضع فُصِّل في موضع آخر، وما ورد مطلقاً قُيِّد في موضع آخر وخصصه، وهذا من كمال الشريعة الإسلامية وتمامها، قال تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا3 {المائدة: 3} .
التوفيق بين أدلة المدح وأدلة الذم:
فهم بعض العلماء أن حديث ذم الشعر المتقدم، جاء في ذم الشعر مطلقاً، وتعلقوا بما ورد في رواية مسلم من حديث أبي سعيد الخدري قال: بينا نحن نسير مع رسول الله بالعَرْج (اسم موضع قرب المدينة) إذْ عرض شاعر ينشد، فقال رسول الله:"خذوا الشيطان - أو أمسكوا الشيطان - لئن يمتلئ جوف رجل قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً".
ففي هذه الرواية سبب ورود الحديث وقد أجاب العلماء عن هذا الحديث بأنه مخصوص بمن غلب عليه الشعر، ويؤيد هذا قوله"يمتلئ"وهي كلمة تدل على الغلبة والكثرة.