فهرس الكتاب

الصفحة 14031 من 27364

قال النووي:"استدل بعض العلماء بهذا الحديث على كراهة الشعر مطلقاً، قليله وكثيره، وإن كان لا فُحش فيه، وتعلق بقوله:"خذوا الشيطان"، وقال العلماء كافة: هو مباحٌ ما لم يكن فيه فحش ونحوه، قالوا: هو كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح (وهذا هو الصواب) ، فقد سمع النبي الشعر، واستنشده، وأمر به حسان في هجاء المشركين، وأنشده أصحابه بحضرته في الأسفار - وغيرها، وأنشده الخلفاء وأئمة الصحابة، وفضلاء السلف، ولم ينكره أحد منهم على إطلاقه، وإنما أنكروا المذموم منه، وهو الفحش ونحوه."

وأما تسمية هذا الرجل الذي سمعه ينشد (شيطاناً) فلعله: كان كافراً، أو: كان الشعر هو الغالب عليه، أو: كان شعره هذا من المذموم.." (24) ."

وقال ابن حجر:"وقوله شعراً، ظاهره العموم في كل شعر، لكنه مخصوص بما لم يكن مدحاً حقاً، كمدح الله ورسوله، وما اشتمل على الذكر، والزهد، وسائر المواعظ، مما لا إفراط فيه" (25) .

قال القرطبي:"وهذا الحديث أحسنُ ما قيل في تأويله: إنه الذي قد غلبَ عليه الشعر وامتلأ صدره منه، دون علم سواه ولا شيء من الذكر، ممن يخوض به في الباطل، ويسلك به مسالك لا تحمد له كالمكثر من اللغط والهذر والغيبة وقبيح القول، ومن كان الغالب عليه الشعر لزمته هذه الأوصاف المذمومة الدنية، لحكم العادة الأدبية، وهذا المعنى هو الذي أشار إليه البخاري في صحيحه لما بوّب على هذا الحديث"باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر.." (26) ."

قال ابن كثير:"على أن الشعر فيه ما هو (مشروع) وهو: هجاء المشركين الذي كان يتعاطاه شعراء الإسلام، كحسان بن ثابت رضي الله عنه، وكعب ابن مالك، وعبدالله بن رواحة، وأمثالهم، وأضرابهم رضي الله عنهم أجمعين."

ومنه: ما فيه حكم ومواعظ وآداب، كما يوجد في شعر جماعة من الجاهلية، ومنهم أمية بن أبي الصلت.... وقد أنشد بعض الصحابة - رضي الله عنهم - للنبي مئة بيت، يقول عقب كل بيت"هيه"، يعني: يستطعمه فيزيده من ذلك.." (27) ."

وقال ابن عبدالبر:"ولا يُنكر الحسن من الشعر أحد من أهل العلم ولا من أولي النهى، وليس أحد من كبار الصحابة وأهل العلم وموضع القدوة إلا قد قال الشعر، أو تمثل به، أو سمعه، فرضيه ما كان حكمه مباحاً ولم يكن فيه فحش ولا خناً ولا لمسلم أذى" (28) .

موقف الرسول من الشعر:

تقدم أنه سمع الشعر، واستنشده، وأمر حسان بن ثابت بهجاء المشركين، وقال:"إن من البيان لسحراً"، وزاد على ذلك بأن أثاب المحسن من الشعراء المسلمين، ومثال ذلك ما فعله تجاه كعب بن زهير عندما أنشد قصيدته البليغة التي يعتذر فيه للرسول:

بانت سعادُ فقلبي اليومَ متبولُ

متيم إِثرَها لم يُفْدَ مكبوُل

لكنه لم يتجاوز في مسألة الشعر والشعراء الحدود، فقد عاب أن ينشغل المرء بالشعر حتى يغلب عليه لأن هذا المسلك من شأنه أن يصرف المرء عن العناية والاهتمام بالقرآن والسنة، ونحو ذلك.

موقف الصحابة من الشعر:

لقد اقتفى الصحابة رضي الله عنهم أجمعين سنة المصطفى ولم يبالغوا في مسألة الشعر، بل كانوا قمة في الاعتدال، فقد اهتموا به، ولكنه لم يشغلهم عن ما هو أهم، وكانوا يحفظون أولادهم الشعر لما للشعر والأدب من تأثير بليغ في التربية والتهذيب، فقد كتب عمر رضي الله عنه إلى ساكني الأمصار:"أما بعد فعلموا أولادكم العلوم والفروسية، وَروُّوهُم ما سار من المثل، وحَسُنَ من الشعر" (29) .

وبعث أيضاً إلى أبي موسى الأشعري برسالة قال فيها:"مُرْ من قِبَلِك بتعلم الشعر، فإنه يحل عقدة اللسان، ويشجع قلب الجبان، ويطلق يد البخيل، ويحض على الخلق الجميل" (30) .

نفي القرآن عن النبي أن يكون شاعراً:

المتأمل للآيات الواردة في الشعر والشعراء يجد أنها أتت في معرض الذب عن الرسول {، ونفي الشعر عما أوحاه الله إليه؛ لأن الشعر بطبيعة الحال يتنافى مع طبيعة الرسالة والوحي، وقال تعالى: وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين 69 يس: 69} .

وقال تعالى: إنه لقول رسول كريم 40 وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون 41 ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون 42 تنزيل من رب العالمين 43 {الحاقة: 40 - 43} .

وقد زعم كفار مكة أن هذا القرآن شعر، وأن محمداً شاعر قال تعالى: بل قالوا أضغاث أحلام بل \فتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون 5 {الأنبياء: 5} .

وقال تعالى: فذكر فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون 29 أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون 30 قل تربصوا فإني معكم من المتربصين 31 {الطور: 29 - 31} .

فالله تبارك وتعالى يبين أنه ماعلَّم نبيه الشعر وما علمناه الشعر وما ينبغي له 69 {يس: 69} قال ابن كثير:"أي ما هو في طبعه فلا يحسنه، ولا يحبه، ولا تقتضيه جبلته، ولهذا ورد أنه كان لا يحفظ بيتاً على وزن منتظم، بل إن أنشده زحفه، أو لم يتمه".

ثم قال:"وثبت في الصحيح، أنه تمثل يوم حفر الخندق، بأبيات عبدالله بن رواحة رضي الله عنه ولكن تبعاً لقول أصحابه رضي الله عنهم فإنهم يرتجزون وهم يحفرون، فيقولون:"

لا هم لولا أنت ما اهتدينا

ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا

وثبت الأقدام إن لاقينا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت