فهرس الكتاب

الصفحة 14032 من 27364

إن الألى قد بغوا علينا

إذا أرادوا فتنة أبينا (31)

ويرفع بقوله:"أبينا"ويمدها، وقد روى هذا بزحاف، في الصحيحين أيضاً، وكذا ثبت أنه قال يوم حنين وهو راكب البغلة يقدم بها في نحور العدو:

أنا النبي لا كذب

أنا ابن عبدالمطلب (32)

ولكن قالوا: هذا وقع اتفاقاً من غير قصد لوزن شعر، بل جرى على اللسان من غير قصد إليه.

وكذلك ما ثبت في الصحيحين عن جندب بن عبدالله رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله في غار فنكبت أصبعه، فقال:

هل أنت إلا أصبع دميت

وفي سبيل الله ما لقيت (33)

ثم قال ابن كثير موجهاً في ذلك بكلام دقيق:"وكل هذا لا ينافي كونه { ما علم شعراً، ولا ينبغي له، فإن الله تعالى إنما علمه القرآن، العظيم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد 42 فصلت: 42} ، وليس هو بشعر كما زعمه طائفة من جهلة كفار قريش، ولا كهانة، ولا مفتعل، ولا سحر يؤثر، كما تنوعت فيه أقوال الضلال وآراء الجهال، وقد كانت سجيته تأبى صناعة الشعر طبعاً وشرعاً" (34) .

ولا يقول قائل: بأن من تمثل بأبيات من الشعر فهو شاعر"ولا يلزم منه أن يكون النبي عالماً بالشعر، ولا شاعراً؛ لأن التمثيل بالبيت النزر، وإصابة القافيتين في الرجز وغيره، لا يوجب أن يكون قائلها عالماً بالشعر، ولا يسمى شاعراً باتفاق العلماء."

كما أن من خاط خيطاً لا يكون خياطاً، قال أبو إسحاق الزجاج: معنى وما علمناه 69 {يس: 69} وما علمناه أن يشعر أي: ما جعلناه شاعراً، وهذا لا يمنع أن ينشد شيئاً من الشعر، قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في هذا، وقد قيل: إنما خَبَّر الله عز وجل أنه ما علمه الله الشعر، ولم يخبر أنه لا ينشد شعراً، وهذا ظاهر الكلام" (35) ."

وقد أنشد بعض الصحابة للنبي مائة بيت، يقول بعدها:"هيه". قال ابن كثير: يعني يستطعمه فيزيده من ذلك (36) .

بيان حال شعراء الكفر والضلال:

قال تبارك وتعالى: والشعراء يتبعهم الغاوون 224 ألم تر أنهم في كل واد يهيمون 225 وأنهم يقولون ما لا يفعلون 226 {الشعراء: 224 - 226} .

هذا استئناف مسوق لإبطال ما قالوا في حق القرآن الكريم، من أنه من قبيل الشعر، وأن الرسول شاعر، ببيان حال الشعراء المنافية لحاله عليه الصلاة والسلام. بعد إبطال ما قالوا إنه من قبيل: ما يُلقي الشياطين على الكهنة من الأباطيل، بما مر من بيان أحوالهم المضادة لأحواله عليه الصلاة والسلام، والمعنى: أن الشعراء الذين يركبون المخيلات، والمزخرفات من القياسات الشعرية، والأكاذيب الباطلة، سواء كانت موزونة أم لا، فإنهم يتبعهم ويجاريهم ويسلك مسلكهم، ويكون من جملتهم الغاوون الضالون عن السنن، لاغيرهم من أهل الرشد، المهتدين إلى طريق الحق، الداعين إليه" (37) ."

قال ابن عطية: ويدخل في الآية كل شاعر مُخَلِّط، يهجو ويمدح شهوة، ويقذف المحصنات، ويقول الزور.

ثم قال: وقوله في كل واد يهيمون 225 {الشعراء: 225} عبارة عن تخليطهم وخوضهم في كل فن من غث الكلام وباطله، وتحسينهم القبيح وتقبيحهم الحسن.

وقوله: وأنهم يقولون ما لا يفعلون 226 {الشعراء: 226} ذكر لتعاطيهم وتعمقهم في مجاز الكلام حتى يؤول إلى الكذب" (38) ."

فهم يكذبون غير مبالين بما يستتبعه من اللوائم،"فإن الشعراء يتبجحون بأقوال وأفعال لم تصدر منهم، ولا عنهم، فيتكثرون بما ليس لهم" (39) ويدعون لأنفسهم بما لايستطيعونه ولا يقدرون عليه.

ولما كان الشعر منطلقه العاطفة الجياشة، والمشاعر الملتهبة، كان الشعراء إلى الإنحراف أقرب، وإلى الهوى أميل، إلا من رحم الله، كما قال تعالى: والشعراء يتبعهم الغاوون.

قال ابن سعدي عن الشعراء الذين ورد ذكرهم في قوله تعالى: ألم تر أنهم في كل واد يهيمون... قال:"ألم تر غوايتهم، وشدة ضلالهم أنهم في كل واد من أودية الشعر يهيمون فتارة في مدح، وتارة في قدح، وتارة يتغزلون، وأخرى يسخرون، ومرة يمرحون، وآونة يحزنون، فلا يستقر لهم قرار ولا يثبتون على حال من الأحوال. وأنهم يقولون ما لا يفعلون 226 {الشعراء: 226} أي: هذا وصف الشعراء، أنهم تخالف أقوالهم أفعالهم، فإذا سمعت الشاعر يتغزل بالغزل الرقيق، قلت: هذا أشد الناس غراماً، وقلبه فارغ من ذاك! وإذا سمعته يمدح أو يذم، قلت: هذا صدق، وهو كذب! وتارة يتمدح بأفعال لم يفعلها وتروك لم يتركها، وكرم لم يحم حول ساحته، وشجاعة يعلو بها على الفرسان، وتراه أجبن من كل جبان، هذا وصفهم..إلخ (40) ."

وقال يوسف العظم:"لا يقف القرآن الكريم عند الحديث عن الشعراء، بل يتعرض للجمهور المُعْجَب بالقول المشجع عليه، لأنه وسيلة من وسائل دعم الزور، وتأييد الكذب والاستزادة من الباطل، والسبب في ذلك واضح، إذ إن الشاعر ما كان ليتمادى في باطله، أو يوالي أكاذيبه لو لقي صدا من جمهور داع، وأمة سليمة الفكر، قويمة الخلق. ومن هنا: نجد حكم الإسلام شاملاً لا يتناول الشاعر وحده، بل يمتد فيشمل الشاعر شخصاً، والشعر مادة، والمستمعين جمهوراً مؤيداً أو معارضاً (41) ."

مسألة: اعتراف الشاعر في شعره بما يوجب الحد عليه؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت