فهرس الكتاب

الصفحة 14033 من 27364

قال ابن كثير: اختلف العلماء رحمهم الله فيما إذا اعترف الشاعر في شعره بما يوجب حداً، هل يقام عليه بهذا الاعتراف أم لا؟ لأنهم يقولون مالا يفعلون، على قولين (42) .

قال الشنقيطي:

أظهر القولين عندي: أن الشاعر إذا أقر في شعره بما يستوجب الحد، لا يقام عليه الحد؛ لأن الله جل وعلا صرح هنا بكذبهم في قوله: وأنهم يقولون ما لا يفعلون 226 {الشعراء: 226} .

فهذه الآية الكريمة تدرأ عنهم الحد، ولكن الأظهر أنه إن أقر بذلك استوجب بإقراره به الملام والتأديب، وإن كان لا يحد به (43) .

بيان حال شعراء الحق:

بعد ما ذكر جل وعلا شعراء الضلال، وبين أوصافهم، استثنى من جنس الشعراء، شعراء الحق والإيمان قال ابن عطية: هذا الاستثناء هو في شعراء الإسلام، كحسان بن ثابت وكعب ابن مالك، وعبدالله بن رواحة، وكل من اتصف بهذه الصفة.

قال تعالى: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون 227 {الشعراء: 227} .

وقوله: وذكروا الله كثيرا يحتمل أن يريد في أشعارهم ويحتمل أن يريد أن ذلك خلق لهم وعبادة وعادة (44) .

وقوله: وانتصروا من بعد ما ظلموا 227 {الشعراء: 227} .

قال بيان الحق النيسابوري: أي شعراء المسلمين الذين نافحوا عن رسول الله ، وقال لحسان:"أجب عني". ثم قال:"اللهم أيده بروح القدس" (45) .

قال ابن عطية: وباقي الآية وعيدٌ للظلمة، كفار مكة وتهديد لهم، وعمل (ينقلبون) في (أي) لتأخيره.

قال ابن عاشور:"وقد دلت الآية على أن للشعر حالتين: حالة مذمومة وحالة مأذونة، فتعين أن ذمَّه ليس لكونه شعراً، ولكن لما حف به من معان وأحوال اقتضت المذمة، فانفتح بالآية للشعر باب قبول ومدح، فحق على أهل النظر ضبط الأحوال التي تأوي إلى جانب قبوله، أو إلى جانب مدحه، والتي تأوي إلى جانب رفضه، وقد أومأ إلى الحالة الممدوحة قوله: وانتصروا من بعد ما ظلموا 227 {الشعراء: 227} وإلى الحالة المأذونة قوله: وعملوا الصالحات وكيف وقد أثنى النبي عل بعض الشعر مما فيه محامد الخصال، واستنصت أصحابه لشعر كعب بن زهير وكان يستنشد شعر أمية ابن أبي الصلت، لما فيه من الحكمة، وأمر حسان بهجاء المشركين، وقال لكعب بن مالك:"لكلامك أشد عليهم من وقع النبل" (46) ."

وهذا تفصيل جيد، وتوضيح مفيد، وقد أسهب الجرجاني في مدح الشعر فقال: وأما التعلق بأحوال الشعراء بأنهم ذموا في كتاب الله تعالى فما أرى عاقلاً يرضى به أن يجعله حجة في ذم الشعر وتهجينه، والمنع من حفظه وروايته، والعلم بما فيه من بلاغة وما يختص به من أدب وحكمة، ذاك لأنه يلزم على قود هذا القول أن يعيب العلماء في استشهادهم بشعر امرئ القيس، وأشعار أهل الجاهلية في تفسير القرآن، وفي غريبه وغريب الحديث، وكذلك يلزمه أن يدفع سائر ما تقدم ذكره من النبي بالشعر، وإصغائه إليه، واستحسانه له.

وبالجملة: فلا ينبغي أن يكون الغالب على العبد الشعر حتى يستغرق حياته، فهذا مذموم شرعاً، لقول النبي:"لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خيرٌ له من أن يمتلئ شعراً" (47) .

قال الشافعي عن الشعر: حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيحه. قال ابن العربي معلقاً: يعني: أن الشعر ليس يكره لذاته، وإنما يكره لمتضمناته، وقد كان عند العرب عظيم الموقع حتى قال الأول منهم: وجرح اللسان كجرح اليد (48) والله أعلم.

الهوامش:

1-معجم مقاييس اللغة، لابن فارس (193/3-194) .

2-ما اتفق لفظه واختلف معناه، لإبراهيم ابن أبي محمد يحيى اليزيدي ص: (234) .

3-لسان العرب لابن منظور مادة (الشعر) .

4-العمدة في محاسن الشعر (116/1) .

5-التعريفات للجرجاني (166-167) .

6-المتنبي، محمود محمد شاكر ص: (7) .

7-مهرجان القصيدة ص: (29) د. عدنان رضا النحوي.

8-عيون الأخبار لابن قتبة (199/2) .

9-عيون الأخبار (200/2-201) .

10 -أخرجه البخاري في كتاب الأدب المفرد، باب الشعر حسن كحسن الكلام ومنه قبيح، (صحيح الأدب المفرد ج865) قال الألباني: صحيح لغيره.

11-المصدر السابق (ح866) وقال الألباني: صحيح.

12-فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد للجيلاني (315/2) .

13-شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث (5/1-6) أحمد الجدع وحسني جرار.

14-الالتزام الإسلامي في الشعر د. ناصر الخنين (119-120) دار الأصالة 1408ه.

15-عون المعبود شرح سنن أبي داود لشمس الحق أبادي (354/13) .

16-المصدر السابق (352/13-353) .

17-فضل الله الصمد (321/2-322) .

18-البخاري في الصلاة، باب الشعر في المسجد (ح453) .

19-البخاري في بدء الخلق، باب ذكر الملائكة (ح3213) .

20-البخاري في المناقب باب من أحب أن لا يسب نسبه (ح3531) ومسلم في فضائل الصحابة باب فضائل حسان (ح2490) وغيرهما.

21-أخرجه أحمد في المسند (124/3) وغيره وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.

22-البخاري في كتاب الأدب، باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر (ح6155) ، ومسلم في صحيحه (ح2257) وغيرهما، وللأحاديث ألفاظ متنوعة أوردها عبدالغني المقدسي في كتاب: جزء أحاديث الشعر (ح32) فما بعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت