فهرس الكتاب

الصفحة 13848 من 27364

وثانياً: أنهم لا يتعجّلون ولا يضجّون ولا يُغرقون أنفسهم بالشعارات، ولكنَّ عملهم هادئ صامت، يصبرون ويتربّصون ويكيدون.

وثالثاً: أنهم يفكرون تفكير الشياطين، ويخططون تخطيطاً مادياً معزولاً عن الإيمان والدار الآخرة، ويمضون على نهج مدروس لديهم، إلاّ أنه معزول عن نور الإيمان وهداية الرحمن. فيكسبون جولات على قَدَرٍ من الله وسُنن لله ماضية وحكمه بالغة، حتى يأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر!

أما نحن فقد منعنا التفكير عن أنفسنا، وإن فكرنا فنفكِّر مثل تفكيرهم المادي، لنؤمّن مصالح للدنيا. وقلَّما نلجأ إلى الله لجوءاً حقيقياً مستكملاً شروطه الإيمانية الربانية، لنفكّر تفكيراً إيمانياً! ولكنَّ تفكيرنا المشَتَّت المضطرب مزّقنا، وادّعاءَنا الإسلام دون الالتزام فرَّقنا!

ومن هنا نستطيع أن نتلمس أهم آثار تخطيط الشياطين ومكرهم في واقع المسلمين اليوم، مما يمكن إيجازه بنقاط سريعة واضحة صريحة:

1.أثاروا الفتن والأحزاب والأحقاد في كل بلد إسلامي، ثمَّ حرَّكوا هذه القوى ليقاتل المسلمون بعضهم بعضاً، والأعداء ينظرون فرحين. انظر ماذا يحدث في أفغانستان والعراق والصومال وفلسطين ودارفور وأندونسيا وغيرها. لم ينجحوا بذلك لبراعتهم فقط، ولكن لهواننا وضعفنا وضعف التزامنا بأمر الله.

2.مزّقوا العالم الإسلاميّ إرباً إرباً بعد سقوط الخلافة الإسلامية، ولم يجدوا صعوبة في تمزيقنا، وربما وجدوا من بعض المسلمين إقبالاً وتأييداً.

3.أثاروا جميع أنواع العصبيات الجاهلية بالمكر والإغراءات وشراء النفوس والإعلام، وأثاروا العصبيات العائلية وألقوا بين المسلمين ما يتنافسون عليه ويتخاصمون، وأشغلوهم بما يصرفهم عن قضاياهم الرئيسة.

وقِسْ على ذلك سائر العصبيات. وقد نجحت خططهم في جميع البلدان التي مكروا بها، ثمَّ امتدَّ مكرهم هذا إلى بلدان أخرى، ومازالوا ماضين يُثيرون كلَّ غرائز الحقد والتحاسد وحب الدنيا حتى جعلوا المسلمين يلهثون وراءها، فما وجدوا إلاّ سراباً بعده سراب!

لقد أصبحوا وكأنهم هم يديرون قضايا العالم الإسلامي، ويظنُّ بعضُنا أنه هو الذي يدير دون أن يشعر أنه يُدار. ويُسَرّ بعضنا بظهوره على الفضائيات وإلقاء الخطب النارية والشعارات الحماسية، ويُخْدَعون بكثير من أسباب الزخرف الذي يُلْقى إليهم، ثمَّ يكتشفون الحقيقة بعد فوات الأوان، ولات ساعة مندم!

بمراجعة تاريخ القرنين الأخيرين نلاحظ بوضوح أن الأخطار على العالم الإسلامي آخذة بالازدياد، وأن الغزو يشتدُّ وتتنوّع أساليبه، وأنَّ الوهن في العالم الإسلامي يشتدُّ أيضاً، وأشدّ مظاهر الوهن هو تكوُّن جماهير ارتبطت قلوبها بالغرب وفكره وأدبه وعاداته وتقاليده ولغته، حتى أصبح الملايين من المسلمين لا يعرفون لغة قرآنهم، فهم لا يقرؤونه، وأصبحوا لا يشعرون بضرورة دراسة العربية وتدبّر القرآن والسنَّة باللغة التي جاءا بها من عند الله ورسوله. بل أصبحنا نحن نشجعهم على ذلك، ونقدم لهم التسهيلات ليبقوا على لغتهم، نترجم لهم معاني القرآن الكريم، وخطب الجمعة، والسنَّة، ولا بأس في ذلك كخطوة أولى، ولكننا لا نعرّفهم بوجوب دراسة اللغة العربية التي أصبحت منذ نزول الوحي بها لغةَ الإسلام والمسلمين، ولغة الإيمان والتوحيد، ولم تعد لغة شعب محدود. إنها أصبحت لغة الإنسان؛ لأنَّ القرآن جاء للعالمين.

ونلاحظ كذلك أن التخطيط لزيادة تمزيق العالم الإسلامي يزداد قوّة وشراسة، وأنَّ التخطيط لإثارة جميع القوى المناهضة للكتاب والسنَّة ما زال مستمرّاً، وأنَّ من المسلمين من يقع في شرك هؤلاء وهؤلاء.

ويمكن أن نحدّد مصادر الخطر اليوم على العالم الإسلامي بالنقاط التالية:

1.إسرائيل ومخططاتها التوسعية ما عُلِمَ منها وما خفي.

2.العالم الغربي الذي ما زال يمدُّ أطماعَه ومكرَه وزحفَه، وتمتد خططه ومكره.

3.الذين يحملون شعار الإسلام، ولا يؤمنون بالكتاب والسنَّة كما نزل بها الوحي الكريم، ويحاربون الإسلام سراً وعلانية.

4.القوى المنافقة في قلب العالم الإسلامي، على تعدّد أشكالها وتنوّع ولاءاتها واختلاف وسائلها.

5.ضعف العالم الإسلامي أو معظمه من حيث الإعدادُ والنموّ العمليِّ والصناعيّ. لقد اهتم الكثيرون بالأخذ عن الغرب أشكال الملابس وزينتها ونماذجها، والأغاني والرقص، والتفلّت الجنسي تحت شعار الحريّة، وشعر التفعيلة والنثر، والحداثة ومذاهبها، ولم يحرص هؤلاء على أخذ العلم الحقيقي والصناعة وأسباب القوّة لأمتهم، وإنما أحضروا، وحملوا كل ما يوهن الأمة ويُمزِّقها.

من هذا العرض الموجز السريع، ومن خلال هذا البحر المتلاطم من الأخطار، نعود إلى قضية فلسطين وواقعها اليوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت