أولاً: الواقع العالمي المعاصر، والذي فتح المجال لتفرّد الولايات المتحدة، وحليفها الغربي؛ لسيادة العالم والسيطرة على مفاصل القوة العسكرية والاقتصادية فيه. وهذا المعطى المهم يحتِّم على المسلمين مراعاة تقديرهم لمحاولات النهوض ذات الطبيعة القطرية الضيقة، أو قيام مشروع نهضوي يُشعر الغرب بالخطر على مصالحه. وبخاصة إذا ما كان هذا المشروع ذا طبيعة نخبوية تهتم بحشد النخبة على حساب وعي الجماهير وتفانيها في مشروع التغيير. إنّ عدم مراعاة ذلك المعطى المهم؛ سيؤدي غالباً لوأد كل محاولة في مهدها قبل أن ترى النور أو تأتي ثمارها.
ثانياً: شيوع مفهوم"محاربة الإرهاب"، وضبابية هذا المفهوم المُتعمَدَة، والتي من خلالها تحارب كل محاولات النهوض، أو التميّز بمعزل عن الوصاية الأمريكية. ويراد من وراء ذلك تجفيف ينابيع التديّن الصحيح، الذي يوجب على أهله القيام بدورهم في الشهود الحضاري على الناس.
وبناءً على ذلك؛ فإنّ تقسيم المسلمين إلى متطرف ومعتدل؛ قد يؤجِّل القضاء على أحدهما قبل الآخر، ولكن لا يلغي نظرة العداء لكليهما، وهما وجهان لعملة الإرهاب الواحدة كما ترى القيادة الأمريكية.
ثالثاً: وجود ما يقارب من 432 مليون مسلم يعيشون كأقليات، أي ما يقارب ثلث المسلمين، منهم ما يقارب خمسين مليون مسلم في أوروبا شرقاً وغرباً. إنّ وجود المسلمين في الغرب لم يعد وجوداً سائحاً عابراً، أو مسافراً قاصداً، بل تعدّى ذلك لأن يكون مواطناً أصيلاً، ورقماً مهماً في الغرب. وهذا يدعونا لمراجعة صادقة في النظر لهذه الديار، وأنّ لها حقوق الوطن وآداب المواطنة. والإسلام يدفع المسلمين بالحرص على بناء أوطانهم والسعي في نهوضها ورخائها، فهي مقر معاشهم، وديار أبنائهم من بعدهم، وصلاح هذه الأوطان وأمنها يعود على كل مواطنيها دون فرق، والمسلم الصادق حينما اختار المعيشة في الغرب؛ فإنه اختار أن يكون"جزءاً"من الوطن والمجتمع الذي يعيش فيه، مما يوجب عليه أن يفكِّر في همومه، والتحديات التي تواجهه، ولكن من منظور دينه وعقيدته.
وعلى المسلمين الحذر من أماني العودة التي قد تطول ولا تُطال، وقد يمرّ بنا العمر ونحن ننتظر قطار العودة، فلا هو حملنا وذهب، ولا نحن الذين وضعنا قدماً يمهِّد لاستقرار دعوة الإسلام التي آمنا، نظرياً؛ أنها تصلح لكل"مكان"، ولو كان هذا المكان الغرب نفسه.
رابعاً: ولا أنسى وأنا أتطرق إلى الواقع أن أفرد بالذكر شيئاً من تأثيرات الثقافة الشرقية التي صحبناها معنا إلى هذه الديار، والتي تشكّلت من عادات البلاد التي وُلدنا فيها، ولم تكن من فرائض الشرع، أو من مقتضيات التدين. وكذلك لا ننسى تلك الهموم أو المساجلات الفقهية والفكرية، التي تمثلت على شكل صراعات بين جماعات ومذاهب، نقلناها معنا إلى هذه الديار، وكأنّ الجدل والخلاف بحراً لا يمكن لأسماك الشرق التنفس خارج مياهه.
علينا أن نعترف بأن لنا إرثاً علمياً وزاداً ثقافياً فيه الكثير من الخير النافع، ولكن فيه من الدَخَن أيضاً الشيء الكثير. هذا الدخن ورثناه من عصور من التخلف والتعصب المقيت التي شكّلت الكثير من مشاعرنا تجاه بعضنا بعضاً، ووجهت الكثير من مواقفنا التي لا تعبِّر عن الإسلام، ولكننا حملناها كأنها جزء أصيل من الإسلام لا يمكن أن تنفك عنه. وعدنا لا نفرِّق بين ما هو من الإسلام كدين؛ وما هو من ثقافة المجتمع الشرقي المحافظ.
ولعل أبرز ما يجسد هذه الظاهرة نظرة المسلمين للمرأة، وتعاملهم مع الطفل، وتقييمهم لأهل الكتاب، وتربيتهم الحضارية الجمالية، وقابليتهم للانقياد في مجموعات عمل يتنازل فيها بعضهم لمصلحة المجموع، إلى ما هنالك من موروثات كان للعادات والتقاليد الدور الأكبر في ترسيخ سلطانها على نفوسنا، ثم امتثالنا لسلطانها من حيث لا نشعر أحياناً.
ويمكنك مشاهدة ذلك في سلوكيات بعضنا في ديار الغرب، فهناك من يرى أنّ التمسك بلون معيّن من اللباس هو من مقتضيات التدين أو من مكملاته، وبعضنا يرى أنّ تضييق الطرق على جاره أو زميله في العمل من السنّة المطهرة، وبعضنا الآخر يبذل قصارى جهده حتى لا يبدأ الكافر بالسلام، بالرغم من وجود الروايات الصحيحة التي تعلِّل هذا المنع بحالة الحرب مع بني قريظة، وورود استحباب السلام عليهم عن كثير من الصحابة الكرام كعبد الله بن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي الدرداء - رضي الله عنهم -، وما نُقل عن عمر بن عبد العزيز والأوزاعي.
فرص..وآمال:
ثم أودّ التركيز على بعض الفرص التي يمكن لنا استثمارها وتنميتها أو المحافظة عليها، ومحاذير، لا بد من التحرّز منها وتطويقها، حتى لا يتفاقم أثرها.
من هذه الفرص وجود عدد كبير من أنصار الحرية والعدل والمساواة في الغرب، وهم بذلك أنصار للقيم التي نادى بها الإسلام العظيم، ونحن نشترك معهم أو يشتركون معنا في ذلك، ويمكن إذا ما أحسنّا التنسيق معهم أن نحصل على الكثير من المكاسب لصالح شيوع أجواء الحريات التي تمثل البيئة الصالحة لنمو وشيوع الإسلام وبزوغ نوره وظهوره على الدين كله.