من ذلك؛ وجود جمعيات ومنظمات حقوقية ترخِّص لها الدولة، ويحميها القانون يمكن التحرك من خلالها لنصرة قضايا المسلمين في الغرب والشرق على حدٍ سواء. وإن كنا لا ننسى أنّ هذه المنظمات هي منظمات"حكومية"غير مستقلة، وبالتالي فلا يمكن التعويل الكامل على دورها.
وهناك تذمّر الغرب الأوروبي حكومة وشعباً من الغطرسة الأمريكية، وظهور مجموعات مناهضة للعولمة، والتي تنادي بدور مستقل لأوروبا بعيداً عن الهيمنة الأمريكية، ويمكن من خلال ذلك دفع الغرب لأن يكون له دور فاعل وعادل تجاه شعوب المسلمين وقضاياهم الكبرى.
كما يندرج في الأمر؛ انتشار آلاف المراكز والمؤسسات الإسلامية في أوروبا، لا بد من تفعيلها للقيام بدورها المنشود، لبيان صورة الإسلام الناصعة، وتقديم خدمات للمجتمع بدلاً من التقوقع في إطار روادها من المصلين أو المتعلمين.
ومن الفرص الحقيقية؛ شيوع الفهم المعتدل للإسلام بين الكثير من أفراد الأقليات المسلمة، ونفور الكثير من الناس من العصبية القطرية أو المذهبية، والشعور العام بالحاجة للتوحّد على ما هو أوْلى وأهم، وبخاصة بعد الأحداث الأخيرة في فلسطين الحبيبة، وما يحدث في الهند، وأفغانستان، والعراق. كل ذلك كان أرضية مناسبة لترسيخ قيم الإخوة الإسلامية العامة، وشعور المسلمين بأنهم تجاه عدو مشترك يريد أن يستأصل شأفتهم، لا بد من مواجهته بروح التوحّد على قضايا الأمة، والتعاون على البر والتقوى، ونبذ العصبية، والتعاون على المتفق عليه.
محاذير.. ومخاوف:
إنّ حمل الدعوة الإسلامية في مثل هذه البيئة؛ ليس بالأمر الهين، ذلك لما يحيط بهذه المهمة من صعوبات وتحديات كبيرة، منها ما يتعلق بالبيت الداخلي للدعاة والعاملين للإسلام، ومنها ما يتعلق بظروف المجتمعات الغربية، ومنها أيضاً ما يتعلق بظروف الأوطان التي جاء منها هؤلاء الدعاة.
ومن أهم المحاذير والتخوفات التي أحب التذكير بها هنا هي أنه ينبغي أن لا يتحول الخطاب"الدعوي"ذو السمة التبشيرية السمحة؛ إلى خطب عاطفية حماسية، أو"بيانات"ثورية نضالية سياسية. فبالرغم من الهيمنة السياسية لدول الغرب على شعوبنا في الشرق، وتدخلها السافر في كل الشؤون؛ إلا إنه ينبغي علينا أن لا نخلط بين منهج الدعوة وخطابه الذي يتميز بالسلم والجدال بالتي هي أحسن، وبين"التدافع"السياسي، أو الصراع العسكري. فالعدو المخالف في ساحات الحرب والسنان؛ غير العدو المخالف في ميادين الحوار والبيان، ولكل ظرف سلاحه.
ثم على المسلمين أن يتفطنوا لأي محاولة استدراج يقوم بها الصهاينة عبر الإعلام الغربي، والذي يسعى لتأكيد صفة"الإرهاب"والعنف، وأن المسلمين"لا يعرفون غير لغة الدم"، والإقصاء. فبعض الدعاة للأسف؛ يعطي المبرِّر تلو المبرِّر، ويؤكد للشعوب الغربية مثل هذه الادعاءات، وذلك من خلال بعض الممارسات والمواقف، أو التصريحات الإعلامية غير المسؤولة.
كما ينبغي التركيز على عنصر التفاعل مع البيئة الغربية، وألا ننعزل عنها. فإنّ رسالتنا في الغرب لا يمكن لها أن تؤتي أكلها إلا في أجواء من التعارف والتواصل والتعايش والحوار، وشجرة الإسلام لا تمتد جذورها إلا إذا تفاعلت مع بيئتها، وإلا ستكون بمعزل عن التأثير، ولا يكن لنا تحقيق"الشهود"الحضاري المطلوب دون"حضور"في ساحات الفكر والثقافة وصناعة القرار في الغرب.
وأشير في هذا الصدد أيضاً أنه على المسلمين أن يطالبوا بحقوقهم من منطلق"المواطنة"، التي يتمتعون بها، لا من منطلق التميّز الديني عن أهل هذه البلاد. فإنّ ذلك مما يساعد على تلبية ما يطالبون به، دون الوقوع في فخِّ الصراعات الطائفية والدينية.
ثمّ من الحكمة أن يستبعد الدعاة عند حوارهم للناس هنا الحديث عن نقاط الاختلاف التي تفصل بين المسلمين وغيرهم، سواء في المعتقد أو السلوك، بل أن ينهجوا منهج القرآن في التركيز على نقاط الالتقاء ولو كانت صغيرة، ثم الانطلاق منها لتحقيق تقدّم، سواء على صعيد الفكر أو السياسة. وربما من المناسب إعادة الاجتهاد في صياغة الخطاب الديني لغير المسلمين، فإشعار المخالف بأنّ لديه شيء من الحق، وهذه حقيقة لا ينكرها إلاّ مكابر، يقرِّب مسافة الحوار، ويمهِّد لتواصل بنّاء قد يفضي للكثير من المصالح المشتركة.
هذه بعض الكلمات والمفاهيم، ولا شك أنّ هذا الموضوع بحاجة للمزيد من تسليط الضوء على كثير من جوانبه، تمهيداً لفقه دعوي جديد يبشر بالخير والنور لهذه المجتمعات، والله غالبٌ على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون.
(*) ونيس المبروك الفسيي هو أستاذ الفقه والعقيدة بالكلية الأوروبية للدراسات الإسلامية، ويلز، وعضو مجلس الشورى بالرابطة الإسلامية ببريطانيا.