فهرس الكتاب

الصفحة 8074 من 27364

وأما بالنسبة للادعاء بأن تنظيم القاعدة هو من يقف وراء الأحداث الأخيرة، خصوصاً بعد نشر بيان منسوب له يدعي ذلك، فإن هناك ثلاث نقاط تدحض صحة نسبة ذلك الزعم: أولاً، الخطأ اللغوي في نص الآية في ختام البيان، وهذا أمر لا يستهان به عندهم. ثانياً اشتمال الخطاب على نداء إلى"الأمة العربية"، وهذا مفهوم يتناقض مع العقيدة الإسلامية، ويعتبر استعماله من المحظورات في أدبيات القاعدة بل ردة عن الإسلام، لأنه يغذي النفس القومي الجاهلي ويدعو إلى العصبية القومية المقيتة، والثالث الاسم الغريب المركب للجماعة الذي صيغ باسمه البيان، والذي لا تقدم على فعله جماعة لها باع في العمل الحركي. ما يشير إلى أن هناك محاولات لإلصاق الموضوع بالقاعدة وتلبيس المسلمين التهمة بغض النظر عن الحقيقة.

على كلٍ صحيحٌ أن السياسات الخرقاء التي يتبعها الغرب في العالم قد تجعل التفسير الأسهل لما حدث أنه مجرد ردة فعل على سياسات قادته الإجرامية التي اقترفوها وما يزالون في أماكن شتى، ما حدا بعمدة لندن كين ليفينغستون إلى قوله كنا نعلم ان هذا اليوم سيأتي ! كما ذكر النائب في البرلمان البريطاني غالاوي أن أطفال لندن هم كأطفال الفلوجة ، وكذلك كان رأي روبرت فيسك الصحفي البريطاني الشهير، وهو ما تنطبق عليه الرواية الشهيرة عن الجنرال الفرنسي الذي وطأ رقبة مقاوم جزائري إبان الاحتلال الفرنسي للجزائر حيث أطلق النارعلى رأسه ما تسبب بتناثر بعض رذاذات الدم على ثوب الجنرال الذي ركل الجثة بقدمه قائلاً لقد أوسخت ثيابي أيها الوغد، بمعنى أن تلك النتيجة متوقعة لتلك المقدمات، إلا أنّ الأخذ بعين الاعتبار بعض المعطيات من الواقع نفسه قد ترشد إلى تفسيرٍ آخر:

فقد تم الأعلان يوم الحادث ومن عدة مصادر، أن السفارة الإسرائيلية في لندن قد تلقت تحذيرات جدية بتهديدات متوقعة قبل وقوع التفجيرات بساعات من قبل السلطات البريطانية، ثم تم نفي تلك الأخبار لاحقاً، والمثير حقاً أن شارون قد أعطى تعليماته عقب ذلك إلى وسائل الإعلام اليهودية في"إسرائيل"بعدم تسليط الضوء على تفجيرات لندن وإقفال الموضوع، ما يثير علامات استفهام جدية!

كما أن الاحتقان داخل أوروبا نفسها قد وصل ذروته قبل انعقاد قمة الثماني في اسكولتندا، بين كل من المانيا وفرنسا وبريطانيا، والأهم هو ذلك الصراع الدولي القائم بين ضفاف الأطلسي - أوروبا وأميركا- وانعكاساته على القضايا الدولية وهو أمر بادٍ للعيان، خصوصاً إثر إصرار الأخيرة على التهام كعكة العراق بمفردها، وتسلطها على السودان للاستئثار بثرواته المكتشفة حديثاً، هذا فضلاً عن تأزم العديد من القضايا الدولية وعدم معالجة العالقة منها، كمشكلة الاحتباس الحراري والمحكمة الجنائية الدولية وأزمة التسوية في فلسطين والمستنقع الذي غرقت فيه أميركا في العراق، والصورة الشنيعة التي تشكلت في أذهان البشرية عنها بفضل معسكرات الاعتقال والتعذيب، والاختراقات الواضحة والفاضحة لحقوق البشر.

ومن الجدير ذكره هنا، إن غالبية الجماعات العسكرية، مخترقة ومكشوفة ومتابعة عن كثب، فضلاً عن أنها تتميز بقلة وعيها السياسي، ما يعني إمكانية استغلالها، كل ذلك وغيره، يجعل الحديث عن التفجيرات الأخيرة أكثر تعقيدا مما يطرح، وأبعاده أكبر من أن تُلخص في أن القاعدة ضربت من جديد، وأن الموعد القادم قد يكون في الدانمرك أو في غيرها.

هذا هو ما ينبغي أن يعيه المتابعون، بخاصة المسلمون، الذين يراد لهم أن يغرقوا في زوايا ضيقة يتم تعليبهم فيها، ما يفقدهم القدرة على التمييز ويمنعهم من إبصار الأمور كما يجب، مما يؤدي إلى شلهم عن اتخاذ مواقف سليمة، كما يؤصل الشعور بالعجز فيهم، ويدفعهم إلى التبرء من بعضهم، ويجعلهم رهن ما يصاغ لهم من سياسات ماكرة.

11/7/2005م

المهندس حسن الحسن

نائب ممثل حزب التحرير في المملكة المتحدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت