* أن تحرى مقصود الشارع هو معيار العدل والإصابة في الصورة الأولى ، أما معيار العدل والإصابة في الصور الثانية فإنه يتمثل في مدى تحقيقه للمصالح البشرية البحتة ، ومدى موافقته للقوانين الوضعية الوافدة نصًا وروحًا بحيث يعد الحكم بما أنزل الله في ظل هذه الصورة نقضًا للعهد ، وهتكًا للمواثيق ، وخروجًا على الأعراف القضائية السائدة ، بل جريمة جنائية تستوجب تقديم صاحبها إلى محكمة الجنايات ! فلو أن قاضيا في ظل العلمانية حكم بقطع يد سارق أو برجم زان فإنه يكون قد حكم بما يخالف الصواب ، وخرج على مقتضى القانون الواجب الاتباع ، فينقض حكمه ، وينظر في أمره ليجرى عليه ما يستحقه من جزاءات وعقوبات ، أما الذين يسعون في تنفيذ مثل هذا الحكم فإنهم يقدمون هم ومن أعانهم على ذلك إلى محاكمة جنائية بتهمة إحداث عاهة مستديمة! أو بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد ! وما ذلك إلا لأن القانون لا يقر هذه العقوبات ، ولا يعترف بهذه التشريعات ، فهذا فارق جوهري لا بد أن ينتبه إليه ، فحكم الله في الصورة الأولى هو الحق والصواب ، أما في الصورة الثانية فهو منكر أو جريمة تستوجب العقاب !
وسوف نبين فيما يلي مدى تعارض العلمانية مع قواعد الاعتقاد الكلية ، وكيف أنها تلتحق بالشرك الأكبر المخرج من الملة وذلك في النقاط الآتية .
ثالثا: مفهوم العلمانية والتلبيس الواقع في هذا المصطلح
مفهوم العلمانية
تعتبر العلمانية تعبيراً محدثاً لم يرد له ذكر في المعاجم العربية القديمة ، وقد ورد هذا التعبير لأول مرة في قاموس ثنائي اللغة ( فرنسي- عربي ) ألفه أحد تراجمة الحملة الفرنسية واسمه لويس بقطر المصري ، وقد طبع جزؤه الأول في مارس 1828م ، ثم دخلت الكلمة بعد ذلك إلى اللغة العربية ، وأول معجم في اللغة العربية ورد فيه هذا التعبير هو المعجم الوسيط الصادر عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة .
فقد جاء في طبعته الأولى الصادرة سنة 1960م: ( العلماني ) : نسبة إلى العَلْم ، بمعنى العالم ، وهو خلاف الديني ، أو ( الكهنوتي ) ، وبقي الأمر كذلك في الطبعة الثانية الصادرة سنة 1979م ، أما في الطبعة الثالثة ، التي صدرت سنة 1985م ، فقد وردت الكلمة فيه مكسورة العين ، بعد أن ظلت مفتوحة في الطبعتين الماضيتين .
والعَلْماني ( مفتوحة العين ) نسبة إلى العَلْم ( بفتح العين وسكون اللام ) بمعنى العالم ، أى الخلق كله .
والعِلْمانى ( بكسر العين ) نسبة إلى العلم التجريبي ، الذي انتصر على الكنيسة بعد صراع مرير ، سالت فيه دماء ، وأزهقت فيه أرواح ، لأن الكنيسة كانت بالمرصاد لكل رأى علمي يعارض التفسير الديني للكتاب المقدس .
جناية المصطلحات:
بيد أن استعمال هذا المصطلح بالكسر استعمال ينطوى على قدر كبير من الخطأ والتلبيس .
-أما انطواؤه على الخطأ فلأن الكلمة في جذورها الأوربية لا علاقة لها بالعلم فهي في اللغة الإنجليزية ( secula r ism )
( وهذا التعبير لا صلة له بالعلم ، فالعلم في كل من الإنجليزية والفرنسية science ) ، والمذهب العلمي يطلق عليه ( Scientism ) أما هذه الكلمة ( Secula r ism ) فهي اللادينية أو الدنيوية ، فنسبتها إلى العلم نسبة خاطئة لانبتات الصلة بين العلم وبين هذا التعبير في جذوره الأوربية . وأما انطواؤه على التلبيس والإيهام: فلأن في نسبة هذا التعبير إلى العلم ما يحجب حقيقة المعنى الذي يتضمنه هذا التعبير ويدخله في دائرة القبول العام خاصة أن مجرد الانحياز إلى العلم لا يعنى نبذ الإيمان أو استبعاد الدين بالضرورة ، بل لا بد لإبراز هذا المعنى من التحليل والتوضيح الأمر الذي تأباه طبيعة المصطلحات .
وعلى هذا فإن المعنى الصحيح لهذا التعبير هو الفصل بين الدين والدولة ، بل بتعبير أدق الفصل بين الدين والحياة ، وعدم المبالاة بالدين أو الاعتبارات الدينية ، ونزع القداسة عن المقررات الدينية ، والتعامل معها كمواريث بشرية بحتة ، وقصر الدين على جانب الشعائر التعبدية الفردية البحتة باعتباره علاقة خاصة بين الإنسان وخالقه .
رابعاً: العلمانية ناقضة لأصل الدين:
لقد تمهد في قواطع الإسلام ومحكماته أن الحجة القاطعة والحكم الأعلى هو الشرع لا غير ، فلا حلال إلا ما أحله الله ورسوله ، ولا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله ، ولا دين إلا ماشرعه الله ورسوله ، وأن من أحل الحرام المجمع عليه ، أو حرم الحلال المجمع عليه ، أو بدل الشرع المجمع عليه ، أو امتنع عن التزام الحكم به والتحاكم إليه كان مارقا من الإسلام باتفاق المسلمين
ومما يدل على أن العلمانية ناقضة لأصل الدين ما يلي:
1 ـ العلمانية شرك في الربوبية: