لقد غدت الأخلاق بالمفهوم الغربي ذات بعد نفعي تجاري، فالرجل لا يكذب لأن سمعته تتأثر، فإذا لم تتأثر فليس في الأمر تثريب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن التحلل من القيم صار موضة، وعلامة على الحضارة الغربية التي هتكت الأستار وعرّت الإنسان، وتجاوزت في إباحيتها كل وصف، وهذا الذي دفع كثيراً من الشباب إلى الاستقالة الاجتماعية من الحياة؛ إما عن طريق الانتحار بطرقه المختلفة، وإما بالانغماس في عالم الرذيلة والمخدرات والفجور، مما أصبح يهدد الأسرة بالانهيار والتفكك، ويقضي على قيم التآلف والرحمة والعطف، وكل القيم الروحية التي تفتح أمام الإنسان أبواب الأمل في الحياة الكريمة، وتخفف عنه آلام حضارة البعد الواحد.
وللأخلاق دورها الريادي في تحقيق سعادة البشرية، وفي صياغة وجهة البنيان الاجتماعي، وتزويده بالمبررات الغيبية اللازمة لحفظ التوازن بين مطالب النفس وتطلعات الروح، وبين زخم الحركية الاجتماعية.
يقول مالك بن نبي في موقع الأخلاق من البناء الاجتماعي:"إن القيمة الأخلاقية لها أهميتها في الحفاظ على البناء الاجتماعي والحضاري، إذ تحمي البنيان الاجتماعي من التفكك وتعطيه قيمة فوق أرضية، وتدفع النفَس الحضاري إلى الاستمرار في الإنجاز وتزوده بالمبررات التي هي أسمي من الكسب المادي وحياة الترف. ومن هنا ندرك سر القيمة الأخلاقية التي خص بها محمد صلى الله عليه وسلم الفضائل الخلقية باعتبارها قوة جوهرية في تكوين الحضارات" (4) .
3.تحدي الفساد الكوني:
إن المجتمع الغربي والعالم كله يدفع حاليا ثمن الثورة الصناعية...وملاحظة سريعة لبعض الإحصاءات تشير إلى التدهور الخطير الذي أحدثته هذه الثورة في الطاقة الإنتاجية للطبيعة، وفي ازدياد التلوث، لدرجة تهدد الجنس البشري... فالغابات مثلاً بدأت تضمحل بمعدل 16 مليون هكتار سنوياً، ويفقد العالم 24 مليار طن من تربته السطحية، وتختفي العديد من المناطق الرعوية، وانخفض مستوى المسطحات المائية نتيجة للضخ الجائر لمياه الري... وتشير تقديرات الاتحاد العالمي لصون الطبيعة أن 1283000 جنس نباتي وحيواني مهدد بالانقراض، وإلى اختفاء 30 ألف نوع سنويا" (5) ."
كما أن تكنولوجيا القتل الجديدة تهدد بقتل البشر وغيرهم من الكائنات الحية، وأن الأسلحة الكيميائية، والبكتيرية الفيروسية، والنووية، من أحدث تقنيات هذه التكنولوجيا القاتلة للحياة على كوكب الأرض.
لقد حقق الإنسان الذروة فيما يستطيع به أن يدمر كل الكائنات الحية على الأرض والبحار... إن قنبلتي هيروشيما وناكازاكي وما أحدثتاه من الدمار... وحادثة محطة القوى النووية في تشيرنوبيل، قد أظهرت كيف يمكن حين لا يتم التحكم، في آلية محطة القوى النووية، أن تقتل المواد النووية المتفجرة الشديدة السريعة كل إنسان بالقرب منها، وتسبب دماراً إشعاعياً بالغ الخطورة للناس والكائنات الحية التي تعيش على مسافات بعيدة، بل حتى في القارات البعيدة (6) .
و"إذا نظرنا إلى مخزون الولايات المتحدة وروسيا الذي يصل إلى مئة ألف سلاح نووي، تبلغ قوة كثير منها أكبر من القنبلتين اللتين ألقيتا على اليابان آلاف المرات، فإذا انفجر حتى جزء قليل منها فليس هناك احتمال أن يبقى على قيد الحياة أي كائن من الكائنات الثديية، كما سوف تقاسي الكائنات الأخرى من أضرار مرعبة، ولن يصبح العالم قابلاً للحياة بالنسبة للجميع" (7) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) دكتوراه في دراسة الحضارة والفلسفة، رئيس قسم البحوث في متحف الفنون والآثار الإسلامية بماليزيا، رئيس تحرير مجلة (المقدمة) .
(1) انظر مقالنا: الأبعاد السياسية لمفهوم الحاكمية رؤية معرفية، إسلامية المعرفة، العدد الرابع، ذو القعدة 1416هـ/ أبريل 1996م، ص 211-225.
(2) نقلاً عن أحمد عروة، العلم والدين مناهج ومفاهيم، ط1، دار الفكر، دمشق، 1407هـ/1987م، ص10.
(3) نفس المرجع، ص153. بتصرف.
(4) وجهة العالم الإسلامي، ص30.
(5) منذر سليمان،"مقولة هتنغتون.. صدام للحضارات أم دعوة للتطهير الحضاري؟"، الحوار، نيسان/ أبريل1997، ص24.
(6) سير روي كالن، عالم يفيض بسكانه، ترجمة: ليلى الجبالي، سلسلة عالم المعرفة (213) ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1996م، ص ص147-149، بتصرف.
(7) المرجع نفسه، ص149.