فهرس الكتاب

الصفحة 5732 من 27364

وقد لجأ إلى هذا الحل أيضا - الفصل التام بين العلم والدين - بعض المستغربين من المسلمين الذين اعتنقوا مذاهب الحادية - وضعية ، أو وضعية منطقية أو مادية ، أو ماركسية الخ - وعندما طعنوا في السن ، أو رجعوا إلى أوطانهم وجدوا صراعا داخليا لم يصل بهم إلى حد الاعتراف بالإلحاد أمام أنفسهم ، أو أمام الناس فباركوا هذا الحل ونادوا بالفصل ، وتوزيع الاختصاص ، وقالوا: نمارس الدين في ساعة هي للوجدان ، ونمارس العلم في ساعة هي للعقل ، أو كما يقول - بعضهم - جعلوا في صدورهم بيتين ، أو غرفتين ، ( أو قلبين ؟؟ ) غير مبالين بقوله تعالى:"ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه"

إن هؤلاء المستغربين عندما فعلوا ذلك لم يفعلوه لمعارضة بين العلم والإسلام ولكن لمعارضة بين الإسلام وما اعتنقوه من مذاهب

ومن الأغاليط الشائعة أن هؤلاء يروجون للعلم على أساس أنه هو الذي يتجاوب مع"العقل"ويغذيه بينما الدين يخص العاطفة 0 وهم في ذلك واهمون أو جاهلون بالتطور الذي صار إليه العلم: فالعلم يتصل بالمشاهدات والخبرات اليومية المباشرة ليستخرج منها مبادئ 0 أما العقل فهو يتصل بالبديهيات الجلية ليستخرج منها فلسفة 0

يقول فيليب فرانك في كتابه"فلسفة العلم"ص 33 0 ( وضع مبادئ نستطيع أن نستنبط منها تطبيقات وحقائق مشهودة هو ما نسميه اليوم"علما"والعلم لا يهتم كثيرا بما إذا كانت هذه المبادئ معقولة أم لا 0 فهذا أمر لا يعنى العالِم كعالِم 0 وفى كثير من الكتب الدراسية نجد ما ينص على أنه ليس من المهم إطلاقا أن تكون هذه المبادئ معقولة ، وتذكر هذه الكتب أن مبادئ علوم القرن العشرين كالنسبية ونظرية الكم ليست معقولة على الإطلاق ، ولكنها متناقضة في ظاهرها ومشوشة 00 وعندما ظهرت مبادئ النسبية وميكانيكا الكم قال بعض الناس: ربما أمكن استنباط نتائج مفيدة من هذه المبادئ ، ولكن المبادئ نفسها غامضة ، بل هي في ظاهرها متناقضة 0 إنها تخدم غرضا معينا إلا أنها ليست جلية )

وما يزيد الأمر وضوحا في الانفصال الذي يزداد يوما بعد يوم بين مجال التفكير العلمي والتفكير الفلسفي أو العقلي: ما يقوله فيليب فرانك: ( كثير من المصطلحات التي كانت تستخدم من قبل في لغة العلم لم يعد ممكنا أن تستخدم الآن ، لأن المبادئ العامة المعاصرة تستخدم الآن مصطلحات أكثر نأيا عن لغة الفطرة السليمة 0 فالتعبيرات من طراز"العقل"و"المادة"و"السبب"و"النتيجة"هي اليوم مجرد تعبيرات فطرة سليمة 0 وليس لها مكان في الحديث العلمي الدقيق 0

وعلينا لكي ندرك هذا التطور أن نقارن بين فيزياء القرن العشرين ، وسالفتها في القرن الثامن عشر والتاسع عشر 0

لقد استخدمت الميكانيكا النيوتونية مصطلحات مثل"الكتلة"و"القوة"و"الموضع"و"السرعة"بمعنى يبدو قريبا - إلى حد ما - من استخداماتها في الفطرة السليمة 0

وفى نظرية أينشتاين للجاذبية نجد مصطلحات مثل ( إحداثيات الحدث) أو ( الجهود الممتدة الكمية ) وهى مصطلحات تحتاج إلى سلسلة طويلة من التفسيرات لكي ترتبط بلغة الفطرة السليمة 0

ونجد هذا الأمر أكثر صحة في مصطلحات نظرية الكم مثل ( الدالة الموجبة) و ( مصفوفات الموضع ) 00 الخ 00

وقد تحدث أينشتاين في محاضرة له في أكسفورد عام 1933 عن ( الفجوة التي يتزايد اتساعها بين المفاهيم والقوانين الأساسية من ناحية والنتائج التي يجب أن نربطها بخبرتنا من ناحية أخرى وهى الفجوة التي تتسع باضطراد ) 0

يقول هربرت دنجل: إنني عندما أؤكد على ضرورة تحرير الفلسفة العلمية من تطفل المفاهيم ( المستساغة ) و ( مفاهيم الفطرة السليمة ) فإني لا أفعل ذلك للحط من قيمة الفطرة السليمة ، وإنما لأن الخطر الأكبر إنما يكمن اليوم في هذا التشويش ). أنظر فلسفة العلم ص 70 - 71

ولكن المستغربين عندنا عندما يستلهمون الغرب فإنهم يرجعون عادة لما هم عليه من كسل عقلي وانتهازية ثقافية يرجعون إلى معلومات قديمة مستهلكة ، فينطلقون إلى إعلان الخصومة بين الدين والعلم توهما منهم أنه - أي العلم - هو الذي يمثل العقل فوجب في تقديرهم أن تكون الخصومة بين الدين والعقل أصلا ، ومن ثم بينه وبين العلم تبعا ، وكان الحل الذي"اهتدوا"إليه في استبقاء ما يسمى"الفصل"بدلا مما يسمى"الخصومة"، ظنا منهم أن الفصل بين أمرين يقبل المعايشة بينهما ، كما هو الحال في الفصل القائم بين العقل والقلب مع استمرار المعايشة القائمة بينهما ، وابتدع بعضهم لهذا الفصل صيغة تشبيهية مخففة أطلق عليها"الغرفتين"وقالوا: نمارس الدين في ساعة هي للوجدان ، ونمارس العلم في ساعة هي للعقل ، أو كما فعل - بعضهم -: جعلوا في صدورهم بيتين ، أو غرفتين ، إحداهما للعلم والثانية للدين دون مراجعة من إحداهما للأخرى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت