وإذا كان هذا الحل قد نادى به بعض المستغربين من بعض المسلمين فإن الإسلام لم يكن ليقبل هذا الحل: من ناحية لأنه هو الإسلام الشامل للعقل والقلب والجسد جميعا ، ولأنه غير مضطر لشيء من ذلك من ناحية أخرى ، لأنه كما يقول موريس بوكاي عن القرآن ( إن القرآن لا يخلو فقط من متناقضات الرواية - وهى السمة البارزة في مختلف صياغات الإنجيل ، بل هو يظهر أيضا - لكل من يشرع في دراسته بموضوعية وعلى ضوء العلوم - التوافق التام مع المعطيات العلمية ) ."دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة"لموريس بوكاى ص 285
ونحن لا نشير إلى هذا التوافق الذي أشار إليه بوكاي باعتباره صياغة نموذجية للعلاقة بين العلم والدين ، فلهذا كلام مقبل ، ولكن باعتباره دليلا على عدم اضطرار المسلم إلى وضعية ( الفصل) .
(ب) وبعد: فهل وضعية ( الفصل ) هذه مقبولة علميا أو مقبولة دينيا ؟ .
وللرد على هذا السؤال نقول بالنفي ، على المستويين ، العلمي والديني .
أما العلمي فلأن البحث العلمي في شخصية الإنسان ينتهي إلى كونها وحدة متداخلة متكاملة لا تستقر بغير التمازج والتوافق بين عناصرها المختلفة .
فليس في مقدور إنسان أن ينشئ في داخله قلبين ، أو أن يعزل في صدره بين حجرتين لتكون إحداهما مخزنا لقرارات تنكرها مخزونات الحجرة الأخرى ، وكما يقول أميل بوترو عن هذه الوضعية ( إن المشكلة حلت بذلك في عالم التصورات أما في عالم الواقع فليس الأمر كذلك ، إذ أين نجد في الإنسان الحد الفاصل بين العقل والقلب ؟ وأين نجد في الطبيعة الحد الفاصل بين الأجسام والأرواح ... ) ؟
إنه لا مفر تحت وضعية الفصل هذه من أن تصير شخصية الإنسان إلى أحد أمرين:
إما المرض والانحلال ، وإما التوثب لغلبة أحد الجانبين للآخر ، وهذا هو سر الانفصال الذي يتغلغل في شخصية الأوربي المعاصر ، المتعرض لتيار العلم وتيار الدين ، أو هو سر الانغلاق الذي يحتمي فيه بتيار ضد تيار آخر .
وأما على المستوى الديني: فهذه الوضعية مرفوضة إسلاميا ، لأن الإسلام هو الإسلام الشامل ، هو الذي يحتوى الشخصية من جميع أقطارها ، ولا يرضى لها بغير ذلك وانظر ما كتبناه في ذلك في مقالنا السابق بعنوان"لا علمانية مع الإسلام"وهكذا ينبغي أن يكون الدين .
يتبع
لا يوجد أحد غير الملاحدة قد سخر هذا الكم الهائل من الفكر لتحويل البشر إلى حيوانات... فبعد التمعن في ما كتبوه ومعرفة ما يريدونه للبشرية لم يبق لنا سوى انتظار المشى على اربعة !
روابط هامة:
فهرس مواضيع الرد على الملحدين والعلمانين ... فهرس قسم الحوار حول الإسلام
مجموعة من الكتب لاغنى عنها للرد على الملحدين والعلمانيين ... الدليل الجامع للرد علي الشبهات والاباطيل
أيها الموحدون .... انتبهوا إلى ألاعيب الملحدين !
الاتجاه الثاني:
الوضعية الثانية المقترحة لإرساء العلاقة بين العلم والدين: هي وضعية ( التوفيق) بينهما في النتائج: وإن اختلفت الوسائل .
ومن الواضح أن هذا الشعار: شعار التوفيق إنما يرفع في ظل سيادة العلم ، فهو يعنى أن يكون المرجع في عملية التوفيق هذه إلى العلم لا إلى الدين ، ومعنى هذا أن يعاد تفسير الدين أو نصوصه أو معطياته - عندما يبدو أنها تتعارض مع العلم - لكي تتفق مع مقررات العلم التي يستقل بتقريرها بحرية كاملة ، دون وصاية من أحد .. وشرط هذا التوفيق أن يبدو النص الديني متقبلا للتفسير الجديد ، دون محاولة التخلص منه .
ويبدو أن هذا الاتجاه تمارسه المسيحية جزئيا عندما يكون هذا التوفيق ممكنا ، كما يمارسه بعض الدعاة في الإسلام وهو سهل عليهم ، لما سبق أن قررناه عن خلو القرآن من التناقض مع العلم .
ونحن نقر هذا الاتجاه في مجال الدعوة التي تستهدف الهداية ، ولا نقره في مجال تأصيل القضية: قضية صياغة العلاقة بين العلم والدين . ذلك لأنه في مجال الدعوة يباح للداعية أن يؤثر في المدعو بما يتيسر له من وسائل مقبولة ومستحبة ، إذ العبرة في الوصول إلى هداية المدعو ، وعندئذ للداعية أن يتوسل لذلك بالقدوة الشخصية ، وله أن يتوسل لذلك بنوع من السلوك المحبب ، وله أن يتوسل لذلك باعتماد المدعو لوسيلة الفلسفة أو العقل ، وله أن يتوسل لذلك باعتماد المدعو لوسيلة الوجدان ، وله أن يتوسل لذلك باعتماد المدعو لوسيلة ( العلم ) . الخ
إذ العبرة في النهاية بجذب المدعو إلى ساحة النجاة ، وأمن الإيمان ، بالمقياس الذي يرتاح إليه.
أما في مقياس النظر الأصولي في وضعية العلاقة بين العلم والدين ، فذلك الوضع - وضعية التوفيق - غير مقبول في مقياس الفلسفة العلمية أو في مقياس العقيدة الدينية على السواء ..
(أ) أما انه غير مقبول في باب الفلسفة العلمية فذلك:
لأن العلم لا يقر بمشروعية استفادة الدين به ، وهو يرى أن تصديقه لبعض حقائق الدين إنما يقع اتفاقا - أي مصادفة - ، أو هو على أحسن الفروض ظاهرة تفتقر إلى تفسير تجريبي مفتوح على المستقبل ، وهو على كل حال اتفاق لا قيمة له في نظر المنهج العلمي .