فهرس الكتاب

الصفحة 5734 من 27364

ومن وجهة نظر المنهج العلمي ، وكما يقول أحد فلاسفة الإلحاد المعاصرين ( أرنست هيكل 1840 - 1919 ) : ( الأديان تقوم على الوحي ، والعلم لا يعرف إلا التجربة ، ولا قيمة في نظره لأي فكرة إذا لم تكن تعبيرا مباشرا عن وقائع ، أو نتيجة لاستنباط محدود قائم على القوانين الطبيعية ) .

وكما يقول أحد الفلاسفة المعاصرين ( أميل بوترو ) : إن العلم أصبح يكفى نفسه في نموه وتطوره ، وإن أول سمة للروح العلمية من الآن فصاعدا هي عدم التسليم بأي مبدأ للبحث ، وأي مصدر للمعرفة سوى التجربة ، فالعلم يوضع في نظر العالِم كأنه أمر أولي مطلق ، ومن العبث أن يطلب منه اتفاقه مع أي شيء ... ) .

( وبالرغم من أن العلم الحديث يتسم بالتواضع ، ويعترف بنسبية المعلومات التي يتوصل إليها ولا يدعى لها الصحة المطلقة إلا أن ذلك لا يعني - في مفهوم العلم التجريبي - أنه يعترف بأن خارج الميدان الذي يتحرك فيه العلم يوجد ميدان آخر يباح لأنظمة أخرى أن تعيش فيه ، ولكنه على العكس من ذلك يعمل على أن يمنع العقل البشرى من ارتياد أي ميدان ليس في متناول العلم ، لأنه إذا كان ثمة شئ لا يمكن أن يعرفه العلم فهذا الشيء من باب أولى لا يمكن أن يعرفه أي نظام آخر ) .

والعلم وفقا لإحساسه - المزيف - بالكفاية التي يختص بها نفسه فانه حين يقول: إني أعلم ، فمعنى ذلك أن الشيء الذي يعلمه موجود بالنسبة للمعرفة البشرية ، وحين يقول العلم: لا أعلم فهذا يعنى إن أحدا لن يدعي المعرفة .

وبناء على ذلك فإن العلم الحديث المتواضع العارف لحدوده ليس أكثر ملاءمة للدين من العلم الدجماطيقي - أي القطعي - ، فالدين من وجهة نظر العلم - في الحالتين - ليس إلا مجموعة تصورات تعسفية . ولا يكفى - من وجهة نظر العلم - أن نتعلل بأن ما نتمسك به مما يتجاوز حدود العلم يمكن أن يأخذ مكانته باعتباره ( اعتقادا ) لأن ( الاعتقاد ) من وجهة النظر العلمية ليس له قيمة إلا إذا كان ثمرة ملاحظة وتجريب .

(ب) أما أن هذا الاتجاه - أعنى وضعية التوفيق على أساس العلم - غير مقبول دينيا:

فذلك لأن هذا التوفيق - وقد أشرنا إلى أنه يتم على أساس العلم - يلغى جوهرية الدين ويسقطه من منزلته .

ذلك لأن جوهر الدين يقوم في كونه متبوعا لا تابعا ، إنه كلمة الوحي ولا يمكن أن تنتظر كلمة الوحي أو تتعطل أو تتحور تبعا لكلمة العلم مهما تكن درجته من الظن أو درجته من اليقين .

والدين بغير وحي ليس دينا .

والدين بغير اتَباع ليس دينا .

وعلى هذا فإن الدين ينكر هذه الوضعية المقترحة وضعية ( التوفيق ) بينه وبين العلم ، وهى كما قلنا تقوم - عصريا - على سيادة كلمة العلم .

وقد يقول قائل: إن هذه التبعية ليست للعلم إلا لأنه حق ، والدين لا يتعارض مع الحق ، وهذا شبيه بما قاله ابن رشد في كتابه"فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال"في التوفيق بين الدين والفلسفة .

وهنا نحيل مرة أخرى إلى المنهج إجمالا فنقول:

منهجيا من الذي يحق له أن يعلن أنه توصل إلى ( الحق ) ؟

الوحي ؟ أم جهد بشرى في الفلسفة ؟ أم جهد بشرى في العلم ؟

من الواضح أن ( الدين ) لا يمكن أن يتنازل عن سيادته المنهجية إلا بالتنازل عن كيانه وجوهره .

كما نود فيما يأتي أن نفصل الكلام في هذه المسألة بعض التفصيل من ناحية المسائل التي يتقدم بها العلم لتوضيح بطلان المطابقة بين العلم والحق

مسائل العلم يمكن تصنيفها إلى ثلاث مجموعات: (1) النظريات كنظرية النشوء والارتقاء ، (2) والقوانين كقانون الجاذبية (3) والوصف المباشر للوقائع مثل إحصائية لحركة المرور في شارع أو ميدان ، أو الكشف عن أطوار التكوين للجنين .

ومن الواضح أنه لا مجال لافتراض التعارض بين الدين الصحيح وبين الوصف المباشر للوقائع وذلك لسبب بسيط هو أن هذا الوصف لم يكن يوما - ولن يكون - ملكا للعلم على أي نحو من الأنحاء .

إنه مقدمة للدخول في العلم ؛ والعلم إنما يبدأ بوضع هذا الوصف في نظرية أو قانون .

يقول فيليب فرانك في كتابه فلسفة العلم:

( إن مجرد تسجيل المشاهدات لا يزودنا إلا بنقاط( راقصة ) وأن العلم لا يبدأ إلا إذا استطردنا من هذه الخبرات المستساغة ( خبرات الفطرة السليمة ) إلى الأنماط البسيطة للوصوف التي نسميها ( نظريات ) انظر فلسفة العلم لفيليب فرانك ص 24 ومابعدها 0

.لنتخيل أننا أسقطنا جسما في الهواء . وليكن مثلا قصاصه ورق خفيفة ( مثل ورقة السيجارة ) فماذا يحدث ؟ إذا فعلنا ذلك مرات عديدة - مئات أو آلاف المرات - فسوف نلحظ أن تحرك الورقة يختلف في كل مرة عن تحركها في المرات الأخرى .

وتراكم هذه المشاهدات ليس علما .

وليست هذه هي الطريقة التي يعمل بها الفيزيائي ما لم تكن في مجال غير متقدم كثيرا حيث لا يكاد يعرف عنه أي شيء .) فلسفة العلم ص 24 - 25

ومن جهة أخرى يقول فيليب فرانك أيضا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت