( من المهم أن نتذكر دائما أن العلم ليس جمعا للحقائق . فليس هناك علم يبنى بهذه الطريقة . فإذا جمعنا نصوصا تبين الأيام التي يسقط فيها الجليد على لوس أنجلوس فهذا ليس علما ، ولا يكون لدينا علم إلا إذا وضعنا مبادئ نستطيع أن نستنبط منها الأيام التي سوف يسقط فيها الجليد على لوس أنجلوس . وفوق ذلك إذا كانت المبادئ التي نضعها تبلغ من التعقيد حدا مثلما تبلغه الخبرة ذاتها فلن يكون ذلك اقتصادا ولن يكون علما بمعناه المحدد . إن عددا كبيرا من المبادئ يستوي مع مبدأ واحد شديد التعقيد ...
إذا لم يكن هناك عدد صغير من المبادئ ، وإذا لم يكن هناك تبسيط فلن يكون هناك علم
وإذا قال امرؤ إنه لا يريد معادلات ، وأن ما يريده هو مجرد الحقائق كلها ، فإنه يكون ساعيا فقط إلى الخطوة التمهيدية للعلم ، وليس إلى العلم نفسه . ) فلسفة العلم لفيليب فرانك ص 66 - 67
فإذا نحن استبعدنا الحقائق المفردة من مجال بحث العلاقة بين العلم والدين ينتقل بنا الكلام عن هذه العلاقة في مجال النظريات والقوانين العلمية .
وهنا نعود لمناقشة القول بأن العلم يمثل ( الحق ) .. لنحيل إلى ما تقرر في الأوساط العلمية من أنه لا يقين في العلم ، وإنما ظنون وظنون ، تقدم للتجربة ، لتمتحن فيها ، لتتعدل إلى ظنون أخرى لتقدم للتجربة ، لتمتحن مرة أخرى ، وهكذا بغير نهاية ، وهذه هي نقطة الضعف في العلم ، وهى سر الاستمرار والتقدم فيه أيضا .
إن الاتجاه الوضعي المعاصر يذهب إلى اعتبار القانون العلمي اختراعا وليس كشفا .
يقول فيليب فرانك:
( يبحث العالم عن صيغة يستطيع المرء أن يستنبط منها الوقائع المشاهدة ويتطلب العثور عليها تصورا خلاقا من جانب العالم . وإذا أردنا أن نصف هذا العثور على الصيغة فإن هناك طريقتين لهذا الوصف:
فيمكننا أن نقول: إن هذه الصيغة من اختراع العالِم ، وأنه لم يكن لها وجود قبل أن يعثر عليها العالِم . إننا نقارنها باختراع مثل اختراع التليفون الذي لم يكن موجودا قبل أن يخترعه ( الكسندر جراهام بل ) فالفرض أو الصيغة هي نتاج للتصور البشري ، هي نتاج لقدرة العالِم على الاختراع . ويجب اختبارها بالتجربة الحسية .
والطريقة الثانية يمكن أن نقول: إن الصيغة كانت موجودة دائما ضمن الحقائق المتطورة ، وقد اكتشفها العالِم كما اكتشف كولومبس أمريكا والعالم ليس مخترعا ، إنه ( يبصر) الصيغة ( بفطرة الباطن ) ...
فالعالم يستخدم البصيرة في اكتشاف الصيغة ) .
وهنا يأتى السؤال: أى الطريقتين نختار ؟
يقول فيليب فرانك: ( تتفق الطريقة الأخيرة في وصف نشاط العالِم مع تقاليد الفلسفة المدرسية( الكلاسيكية ) . ) .
وهذه الفلسفة كانت - كما يقول هانزريشنباخ - ( تعتقد بوجود بصيرة رؤية بواسطة العقل تناظر الرؤية بواسطة العين ) وهذا التماثل بين الرؤية بالعقل والرؤية بالعين هو الذي دعا الفلسفةالتقليدية إلى القول بأن البدهيات غنية عن البرهان ، أنظر فلسفة العلم ص37 0
أما الطريقة الأولى التي تصف العالِم بأنه مُخترع فهي كما يقول فيليب فرانك: ( أقرب إلى خط الفلسفة الوضعية ، والفلسفة الذرائعية ) .
ويقول: ( يقول المحدثون من العلماء إن الفروض والصيغ من نتائج التخيل ، وإنما تختبر بالتجربة والخطأ .. ) 0فلسفة العلم ص 34 ، 35
وسواء كان هذا أو ذاك فهي تتزحزح عن مرتبة اليقين .
إن العلماء يصرحون اليوم بأن التجربة تعزز الفرض ولا تثبته ، وانه لا يوجد ما يسمى ( التجربة الحاسمة ) .
يقول فيليب فرانك: ( إن الفرض لا يمكن"إثباته"فالتجربة"تعزز"أحد الفروض فإذا لم يجد شخص ما حافظته في جيبه فإن ذلك يعزز الفرض بوجود لص بالمقربة ، ولكنه لا يثبت هذا الفرض ، فقد يكون هذا الشخص قد ترك حافظته في بيته ، ومن ثم فإن الحقيقة المشاهدة قد تعزز فرضا آخر بأنه نسيها . وأية مشاهدة تعزز كثيرا من الفروض . والمشكلة هي أن تحدد درجة التعزيز المطلوبة ، فالعلم يشبه قصة بوليسية . إن كل الحقائق قد تعزز فرضا معينا ، ولكن الفرض الصحيح قد يكون مختلفا اختلافا كليا . ومع ذلك يجب أن نقر بأنه ليس لدينا معيار للحقيقة في العلم غير هذا المعيار ) .
ويقول بيير دوهيم: ( إن التجربة الحاسمة في الفيزياء أمر مستحيل ) فلسفة العلم ص 36 ، ص 55
ومن ذلك يتبين لنا أن ما يقدمه العلم من النظريات والقوانين لا يصل إلى مرتبة اليقين.
وهي - أي هذه النظريات والقوانين ـ ليست ( الحق ) الذي ترتعد أمامه الفرائص ، ويتحدى الإيمان ، أو يستولي عليه .
وعند هذه النقطة من البحث فإن العلم الخالص يلتزم الصمت ، لتتقدم"الفلسفة العلمية"لتحتل منصته في المناقشة .
ومن هنا ندخل إلى الاتجاه الثالث في تحرير العلاقة بين العلم والدين .
الاتجاه الثالث: يرى بين يديه الحالة الواقعة في المواجهة بين الدين والفلسفة العلمية - المتخفية وراء العلم - ليكون لأحدهما الكلمة العليا .
وهنا يظهر تياران: