(أ) تيار إسلامي: يجعل الكلمة العليا للدين ، وعندئذ فهو يعترف للعلم بوسائله ، ولكنه ( يستخدمها ) لأهدافه العليا ، ليصل منها إلى ( نتائج ) تتفق مع هذه الأهداف ولا تختلف معها .
وإذن فهي معركة بين ( الفلسفة العلمية ) والدين ، ينبغي في نظر هذا التيار أن تنتهي ، لا بالقضاء على العلم ، ولكن بإخضاعه للدين باعتباره خادما له ، أو وسيلة من وسائله .
وإنك لتجد الأمر على هذا النحو - أي صيرورة العلم خادما للعقيدة - في أشد البيئات تمسحا بشعار العلم ، ففي مقال نشرته البرافدا في عام 1949 يقول رئيس أكاديمية العلوم في الاتحاد السوفيتي س . أ . فاينلوف تحت عنوان ( لينين والمسائل الفلسفية للفيزياء الحديثة ) :
( إن الفيزياء السوفيتية( !! ) تبنى عملها على ما اعتنق العالِم من المادية الديالكتيكية ) وليس العكس ، وفى مقال آخر نشرته مجلة أسبوعية إنجليزية ( ناتشر) في مايو 1950 يقول أحد أعضاء هذه الأكاديمية ( إننا أعلنا مرارا ولا نزال نعلن أن العلم إنما هو علم حزبي طبقي ) .
ولسنا بحاجة إلى أن نؤكد أن هذه الوضعية هي السائدة في الجانب المنتصر من الحضارة المعاصرة إذ يقوم العلم بدوره كخادم للعقيدة السائدة: تلك التي تقوم على مفاهيم المتعة الحسية ، والقوة المادية ، والسيطرة على الآخر ، وهى مفاهيم ورثتها الحضارة الأوربية المعاصرة عن الحضارة الرومانية القديمة وأكدتها أنظار الفلاسفة الذين قيض لهم السيطرة على العقل الحديث
وهذا الاتجاه لا يفترق في جوهره عن الدور الذي كان يمارسه رجال اللاهوت في العصور الوسطى في أوربا ، وكما يقول الأستاذ إسماعيل مظهر في مقدمته لترجمة كتاب"بين الدين والعلم" ( قامت لدى اللاهوتيين فكرة ثابتة في أن العلم لا يصح أن يبشر فيه بأقل مخالفة لما جاءت به الأسفار المقدسة والمتون ) .
هكذا الأمر في جميع الحضارات والعصور: يحتل العلم مكانته تحت توجيه الدين، والفرق بين حضارة وأخرى ، وبين عصر وآخر إنما يأتي من طبيعة الإيمان الذي تعتنقه الحضارة أو يعتنقه العصر ، وإنه في ظل العقيدة الإسلامية لم يجد العلم نفسه في حالة حصار أو إحباط ، وإنما كان الأمر على العكس من ذلك ، وجد العلم نفسه - والعقل أيضا - محررا من أغلال النظم المزيفة الصادرة عن غير الله تعالى ، مالكا الأمان في رحاب النظام الإلهي ، ومن ثم كان من الطبيعي أن تأخذ النزعة العلمية في الحضارة الإسلامية أعلى مقام أخذته في التاريخ .
ولسنا نريد أن نكتب في هذا المقام كلاما مكررا عن أستاذية الحضارة الإسلامية للمنهج التجريبي الذي قامت عليه الحضارة الحديثة ، فهذا ما شهد به المؤرخون جميعا ، ولكني أكتب لأنبه إلى تحديد وضعية العلاقة بين كل منهما ، لأنه بدون هذا التحديد سندخل في متاهات محيرة ومهاو مدمرة ، لا تقل خطورة عن الظن بحتمية التعارض بينهما .
وكما أوضحنا فان هذه الوضعية لا يمكن أن تقوم على الفصل بينهما - كما هو الأمر في التاريخ القديم والحديث على السواء - كما لا يمكن أن تقوم على فكرة التكامل لأن هذا التكامل مرفوض إسلاميا ، بقدر ما هو مرفوض واقعيا .
إنه لابد من أن يقوم العلم بدوره المقدور له دائما: تابعا للدين .
وإذا كنا قد أثبتنا ذلك من الناحية التاريخية فإن إثباته من الناحية النظرية لا يقل أهمية ؛ ذلك أن العلم لا يمكنه أن يمارس دوره إلا في ظل مجموعة من القيم تقوده في الطريق ، وكما يقول الأستاذ فانيفاربوش الرئيس الفخري لمعهد ماساشوستش للتكنولوجيا ( الذي يتبع العلم اتباعا أعمى ولا يتبع إلا العلم يصل إلى سد لا يستطيع أن يتجاوزه ببصره )
ويكفى أن نضرب هنا مثلا قدمه بعض المهتمين بالقضية لحالة قد يظن أنها خالصه للعلم ، تلك هي إذا ما أردت من أحد العلماء أن يصمم لك طائرة ، إن الأمر في هذه الحالة لا يمكن الخطو إليه خطوة واحدة إلا في ظل مجموعة من القيم ، وذلك أنه لو استعمل العالم - مثلا - مادة ثقيلة أكثر مما يجب لكان مخطئا ، لما يؤدى إليه ذلك من عجز الطائرة عن التحليق ، لكننا في هذه الحالة نكون قد استنجدنا بحكم قيمي ، يوضح لنا أهمية ( التحليق ) ، وكذلك الأمر في تعلقه بجوانب أخرى من هذه العملية حيث نستند إلى مجموعة من القيم الأخرى التي توضح الغاية المرجوة من صنع الطائرة ، وقد تتضارب الغايات التي يهدف المرء إليها فيحاول صنع طائرة صالحة للعمل بأدنى تكلفة ممكنة ، أو طائرة تستطيع التحليق إلى أعلى ارتفاع ممكن ، أو قد تكون الغاية هي السرعة القصوى ، أو المتانة القصوى ، أو السلامة القصوى ، ومن المحتمل أن تكون الأهداف المتباينة مما لا يمكن تحقيقه إلا بوسائل متباينة ، لذلك فسلوك العالِم يتوقف في النهاية على تقرير الهدف الذي نقدمه له وتقرير هذا الهدف يتوقف على تقرير القيمة التي نعتنقها .
وكما يقول أحد فلاسفة العلم: إنك إذا سألت عالِما عن الطريق الواجب عليك أن تسلكه لكان جوابه الوحيد الذي يمكنه الإدلاء به هو ( هذا يتوقف إلى حد بعيد على المكان الذي تقصده ) .