وإذا كان ذلك يبين لنا أنه لابد من أن يعمل العلم في ظل مجموعة من القيم السائدة ، فإنه ينبغي أن يكون من الواضح أننا إن لم نبادر إلى تنمية هذه القيم وتصحيحها بوصاية العقيدة والإيمان ، فإن العلم يصبح أداة طيعة للقيم المنهارة المدمرة .
وتتضح خطورة هذه القضية أكثر ما تتضح في ظل التقدم الهائل الذي أحرزه العلم الحديث . ولقد كان الفيلسوف الفرنسي المعاصر هنري برجسون على حق حينما قال ( يتطلب جسدنا المتوسع - بفعل التقدم العلمي الحديث - زيادة في الروح .. )
وكما يقول العالم الفيزيائي المعاصر الشهير لويس دي برولي ( على قدر ما تتزايد الوسائل التي أودعها العلم والتقدم الصناعي تحت أيدينا للعمل وبالتالي للتدمير فإن الخراب الذي نستطيعه يصبح مداه أعظم اتساعا ، والجراح التي تتولد عن ذلك لا تشفى سريعا ) .
ويكفى أن نشير هنا إلى إمكانية واحدة رهيبة يشير إليها العالم الشهير ؛ تلك هي أنه منذ أكثر من نصف قرن يستخدم الفوضويون القنابل على نطاق واسع ويلقونها على الناس في الأماكن العامة ، أما الآن فان العصابات الدولية أصبحت قريبة من تصنيع القنبلة الذرية:
( فكيف يكون الأمر لو نجح الفوضويون الجدد في استخدامها في تهديد مدن بأسرها .. ) .
هنا نمسك بتلابيب المأساة وجوهرها الحقيقي . ( إن كل زيادة في قوة التأثير - يقدمها العلم - تزيد حتما القدرة على الإضرار وكما زادت قدرتنا على الغوث والإعانة زادت قدرتنا على الإساءة ونشر الدمار ) .
هنا يصبح لمشكلة القيم مغزى أعظم مما كان لها في أي عصر من العصور .
بل إن خطر هذه المشكلة - مشكلة - القيم - يعود ليؤثر في الوضع الذي يحتله العلم نفسه ، وليتقاضاه ثمن ما قدمه من مساعدة للقيم المنهارة .
ويكفى أن نشير هنا إلى نقطة تغيب عن كثير من الناس ، تلك هي أنه إذا كان العلم الحديث قد ازدهر في ظل قيمة ( الحرية) فإنه في الآونة الأخيرة - وبفضل ما أحرزه من تقدم رهيب - أصبح من الضروري أن يدخل شيئا فشيئا إلى قبضة السلطة الحاكمة ، إذ أين هي السلطة التي تجد أن بإمكانها أن تبتعد عما يحدث في معسكر العلم مع ما يمثله ذلك من تهديد خطير لأهداف المجتمع ، إن الدولة هنا لا تجد مناصا من أن تعنى بالبحث العلمي أكثر من ذي قبل ، بل تجد نفسها مضطرة إلى السيطرة على أسرار معينة ، ومضطرة أيضا إلى أن تخضع النشاط العلمي للتنظيم والتفتيش اللذين لم يتعود عليهما .
وكما يقول لويس دي برولي عالم الفيزياء الذي سبق أن ذكرناه: ( إنه حتى في الولايات المتحدة لم يعد العلماء الذين يعرفون أسرار الذرة يملكون حرية الحركة .. )
وهنا يتعرض العلم الحديث لدور تاريخي مناقض للدور الذي انتعش في ظله ، وتعود مشكلة القيم لتؤكد دورها الرئيسي في قيادة العلم .
وإذا كنا قد توصلنا إلى هذه النتيجة وهى قيادة القيم للعلم ، فإنه من الواضح أن نسلم بقيادة العقيدة له ، لأن القيم لا تستقى إلا من العقيدة ، ولا تقوم إلا عليها . وهنا نود أن نعلن أن الإسلام وحده هو الذي يقدم مجموعة القيم التي تضع العلم في مناخ يسمح له بالنمو إلى حيث يشاء ، وتقوده في نفس الوقت في طريق التقدم ( بالإنسان ) .
ويكفى أن نشير هنا إلى حقيقة ، تلك هي: أن من يوكل إليه صياغة هذه القيم ينبغي أن يحيط علما بكل شئ ، إنه إذا كان الإنسان جزءا من هذا الكون ، يؤثر فيه ويتأثر به فإنه من المقرر أنه لا يمكن أن تعرف الجزء معرفة دقيقة حتى تعرف الكل الذي ينتمي إليه .
وكما يقول الأستاذ مونتاجيو أحد علماء الأنثروبولوجيا المرموقين وهو بصدد الدعوة لاستخدام العلم في تحسين حاضر البشر ومستقبلهم ( إن التعليم الضئيل شئ خطر، وإنه لمن الضروري والحالة هذه التزام أعظم جانب من الحذر عند بحث جميع المشكلات أو التوصيات التي تهدف إلى التحكم لا في حياة الأحياء فحسب ، بل أيضا في حياة الذين لم يولدوا بعد ) .
ومن هنا فإننا نقول: إن الكلمة في هذا المقام لمن يحيط علما بالكون ، إنها ليست للعلم أو الفلسفة أو الإنسان ، وإنما هي للوحي الذي يعبر عمن يحيط علما بكل شئ .
( وكان الله بكل شئ محيطا ) 126 النساء .
( إن الله قد أحاط بكل شئ علما ) 12 الطلاق .
( ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء) 255 البقرة .
( وخلق كل شئ فقدره تقديرا ) 2 الفرقان .
( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) 4 الملك .
إن الله سبحانه وتعلى هو وحده صاحب الكلمة لأنه وهو صانع الإنسان يصبح من ثم - ونزولا على منطق التكنولوجيا أيضا - ليس لأحد غيره باعتباره الصانع أن يرسم لك طريقة بناء المصنوع أو تشغيله .
وأنت إذا تجاوزت الصانع في تشغيل المصنوع ، انتهيت إلى تدمير المصنوع ، هذه بديهية مستقاة من منطق العلم ومن عالم الصناعة معا ، ومن هنا فإننا إذا كنا بصدد صياغة القيم التي تقود العلم في طريق الإنسان كان لا مفر لنا من الالتجاء إلى صانع الإنسان ، ويصبح الأمر من ثم لا مجال فيه للدعوة إلى علمنة القيم ، وإنما ينقلب الوضع لتعود الرأس إلى مكانها الطبيعي ، وليصبح العلم هو الرجلين اللتين تخطوان بالإنسان وفقا للتوجيه الصادر من الدين.