والنتيجة النهائية لما كتبناه هي أنه يلزم في الوقت الراهن أن نهتم بوضعية العلاقة بين العلم والدين ، وأنه لا مفر واقعيا ونظريا من أن يحتل العلم مكانته في هذه الوضعية: تابعا مطيعا للدين .
وهذا هو التعبير الصحيح عن التيار الإسلامي في وضعية المواجهة بين العلم والدين ، تنتهي فيه هذه المواجهة إلى تسليم العلم قياده للدين .
(ب) وهناك تيار علماني إلحادي يجعل الكلمة العليا للعلم ؛ وعندئذ فهو ينكر على الدين نتائجه ووسائله على السواء ، ويحاول أن يقتلعه من جذوره . كما كان يتصور طه حسين يف كتابه الذي اقتطفنا منه في أول المقال
وإذن فهي معركة بين العلم والدين ، ينبغي في نظر هؤلاء أن تنتهي بالقضاء على الدين .
وينطلق ( الإلحاد العلمي ) هنا من قواعد تنتمي إلى ( الفلسفة العلمية ولا تنتمي إلى العلم ذاته ) لأن العلم في أبوابه الأصلية:"النظريات والقوانين"يعلن أنه يقوم على الظن لا على اليقين0.
والفكر الإسلامي لا ينبغي له أن يهاب هذا الموقف ، فهو مفروض عليه سواء أراد أو لم يرد . إنه لم يعد كافيا في الدفاع عن الدين ضد الإلحاد المستند إلى العلم ( كذبا ) أن نقتصر على بيان اختلاف المجال في كل من الدين والعلم من ناحية ، أو بيان التوافق بينهما من ناحية أخرى ، فهذا الموقف يدخل السرور على عتاة الإلحاد العلمي لأنهم يدركون قصوره ، إنما الموقف الذي ينبغي أن نقتحمه:
هو موقف الحسم ، على المستوى النظري على الأقل ، والحسم هنا أمر مطلوب لمنع التداعيات الفاسدة التي يمكن أن تترتب عادة على الميوعة السائدة في هذا المجال ، وهو حسم واجب وجوب الحسم الذي نراه في قضية موازية: العلاقة بين الدين والسياسة ، إن اللبس والدعايات المأجورة تنفث سمومها من حيث ترك الإجابة على السؤال الآتي: أيهما يخدم الآخر
الدين يخدم العلم ؟
الدين يخدم السياسة ؟
هنا نقطة الانحراف ، هنا يسمع فحيح الأفعى ، وكلاهما من جحر العلمانية
يجب أن نحسم الأمر:
السياسة هي التي تخدم الدين
العلم هو الذي يخدم الدين
والدين - وبالتحديد الدين الإسلامي - لا مكان فيه ألبتة لما يسمى"رجل الدين"أو"المؤسسة الدينية ."
وقد استدللنا على ذلك
هنا يجب أن ننتقل من الدفاع إلى الهجوم ، والهجوم هنا ينبغي أن يتجه إلى ضرب القواعد التي يستند إليها الإلحاد المعاصر ( العلمي ) في محاربته للدين:
وهذه القواعد في تقديري ثلاثة:
القاعدة الأولى:
الزعم بإنكار كل الغيبيات التي لا يمكن إخضاعها للملاحظة والتجربة .
القاعدة الثانية:
الزعم بأن حتمية القوانين الطبيعية من ناحية وقوانين التطور التقدمي من ناحية أخرى يمكن الاستغناء بهما عن افتراض وجود الله وعلمه وإرادته كتفسير لوجود العالم وحركته وتغيره .
القاعدة الثالثة:
ادعاء كفاية المنهج العلمي في المعرفة من ناحية ، والقيم من ناحية أخرى ، والاستغناء به عن المناهج المعرفية الأخرى التي تقوم بها الفلسفة الميتافيزيقية أو الدين . وهنا نجد المجال مفتوحا أمام الباحثين لضرب هذه القواعد .
وبهذا يتم في تقديرنا قتل حشرات العلمانية التي خربت طويلا في ثقافة العصر ، ودمرت إمكانية التقدم في بلادنا الإسلامية والعربية منذ أكثر من قرن .
ولهذا بحث منجز ، نرجو أن نقدمه مستقبلا
والله أعلم
أد: يحيى هاشم حسن فرغل